محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
38
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وقال في سورة التوبة « 1 » : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . للسائل أن يسأل فيقول : كيف اختلف اللفظ في الثلاثة المواضع وهي فيها كلها نعت على الجهاد ، وهل صلح ما هو في الأول للآخر أم اقتضاه مكانه بعينه دون غيره ؟ . الجواب أن يقال : بل لكل معنى يقتضي اللفظ الذي خص به ، فالآية الأولى من هذه السورة وردت عقيب قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ « 2 » ثم قال : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ « 2 » يعني : الكتاب مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ « 2 » فكانت هذه الحالة التي أخبر اللّه تعالى عنها مشبهة حال النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين معه فيما دفعوا إليه من بغي المشركين ومقاتلتهم لهم مجاهدين ، فقال : أم حسبتم أن تشتروا الجنة لتسكنوها خالدين فيها ولم تفعلوا أفعال الأمم الماضية فيما دفعت إليه هي وأنبياؤها صلوات اللّه عليهم وسلامه من قتال الكفار من الشدة والمضرة والانزعاج عن المواطن ، حتى استعجلوا النصر لما استنفدوا الصبر ، أعلمهم اللّه أن نصره قريب من أوليائه غير بعيد عن حزبه ، فكذلك حالكم إذا عرفتم حالهم وعاقبة أمرهم وما لهم ، ومعنى قوله : تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وما يليه في قوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ « 5 » فكان في ذكر ذلك شحذا لبصائرهم في الجهاد وحملهم على الاقتداء بفرق الصلاح وأمم الأنبياء قبلهم ، وتأنيس لهم بالصبر على ما حل بهم ، حتى حمدوا عاقبة أمرهم . وأما الآية الثانية في سورة آل عمران وهي : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ فهي خطاب للمسلمين الذين نالهم من قتال المشركين جراحات ، قال فيها : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ « 6 » فقال : أم حسبتم أن تنالوا الجنة ولما تجاهدوا الأعداء من الكفار ، فيعلم اللّه ذلك منكم ، ولما تصبروا صبرا زائدا على صبرهم فيرى ذلك من فضلكم عليهم ، فإن الجنة لمن فعل ما أمر اللّه به في الوقت من قتال أهل الكفر وتوطينهم النفس فيه على الصبر ، فيخف عليه ما يجد من الألم بما تحقق من الفوز في الآجلة والعاجلة ، والحالة
--> ( 1 ) الآية : 16 . ( 5 ) سورة : التوبة ، الآية : 111 . ( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 213 . ( 6 ) سورة : آل عمران ، الآية : 140 .