محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

39

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

التي رد فيها هذه الآية ، اقتضت البعث على التشمير للقتال والصبر بعد صبر الأعداء ، وقد قيل لبعض العرب : ما كان سبب كثرة ظفركم بأعدائكم ؟ فقال : كنا نصبر بعد صبرهم ساعة فيكون ذلك سبب الظفر . وأما الآية الثالثة في سورة براءة وهي : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فإنها خطاب للمجاهدين من المؤمنين ، وتوعدا لمن كان منهم يبقي على أقارب له عند الظفر بهم . لقوله بعده : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ « 1 » الآية فحذر المنافقين الذين ضاموا المؤمنين في قتال المشركين أن يعلم اللّه مجاهدتهم أعداءهم ، وقد اتخذوا معها وليجة بينهم وبين المشركين « فالوليجة » هي المدخل الذي ذكره اللّه في الآية بعدها عند وصف المنافقين ، فقال : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ « 2 » فقولك ولج بمعنى : دخل « فالوليجة » المدخل وهي الوسيلة التي يدخل بها الإنسان حريم الإنسان كالباب المفتوح له يفعل فعله ، فكأنه كان التوعد يقتضي أن يقال لهم : أظننتم أن تتركوا وما تظهرون من مجاهدتكم أعداءكم ، ولم يكن منكم جهاد خالص للّه لا تمالئون فيه أبا ولا ابنا ، ولا ترعون فيه حميما ولا قريبا ، ولا تبقون على ذي معرفة إبقاء تتقربون به رجاء أن يجازوكم عليه ، فإن قدرتم أن تتركوا مضامة المسلمين في القتال من غير أن يعلم منكم باطنا عاريا من هذه الحال ، فقد أخطأ ظنكم ، وأخلف تقديركم ، فإنكم مطالبون بالتوفقة بين سركم وجهركم . الآية الحادية والعشرون قوله تعالى : ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ « 3 » وقال في سورة الطلاق « 4 » : ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . للسائل أن يسأل فيقول : إذا كان الكاف في ذلك للمخاطب ، فيجمع إذا كثروا ،

--> ( 1 ) سورة : التوبة ، الآيتان : 23 ، 24 . ( 3 ) سورة : البقرة ، الآية : 232 . ( 2 ) سورة : التوبة ، الآيتان : 56 ، 57 . ( 4 ) الآية : 2 .