محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

37

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

الجواب عن ذلك أن يقال : الآية الأولى في هذه السورة جاءت في قتال أهل مكة ألا ترى ما قبلها وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ « 1 » ثم قال : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ « 1 » وهذا مختص بقتال قوم مخصوصين من أهل الشرك وهم نازلة الحرم ، فاقتصر على « الدين » من غير توكيد على معنى : حتى يكون الدّين حيث هؤلاء لا في كل مكان ؛ لأنه لا يحصل بقتل مشركي مكة الدّين في كل البلاد ، وقوله : فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ أي : إن انتهوا عن كفرهم فلا عدوان عليهم ، إنما العدوان على من أقام على الضلالة وظلم نفسه بلزوم الجهالة ، وأما ما في سورة الأنفال فالأمر ورد عاما في قتال كل الكافرين ، ألا ترى أن قبل الآية : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ « 3 » وليس هذا في طائفة من الكفار دون طائفة فإذا كان ذلك كذلك ، وقال بعده : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي : لا يكون شرك وكفر اقتضى هذا أن يكون بعده وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فأمر بإبطال كل كفر قدروا عليه ، وأتبعه قوله : فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي : إن انتهوا وانتقلوا إلى الإيمان وكفوكم بما يظهرون من الإسلام عن قتالهم ، فاللّه يعلم عملكم وعملهم على القراءتين جميعا ، فيكون الخطاب للمقاتلين ولفظ المعاتبة للمقاتلين ، ويمكن أن يقال : إن الخطاب في « يعملون » يشمل الكل ؛ لأنه قال : حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فكلهم قد صاروا مؤمنين ، فلا جرم أن ضمهم خطاب واحد ، وأعلمهم أنه مجاز لهم على عملهم مطلع على سرائرهم يعرف من كان انتهاؤه عن الكفر لرغبة من رغائب الدنيا ، ومن كان انتهاؤه عنه للتبصر ، فسوّى بين السر والجهر ، واللفظة في ضمنها إذا وردت من القادر الحكيم غاية التخويف والوعيد في العقاب الأليم ، وغاية الترغيب في الثواب العظيم لفرقتي الطاعة والعصيان ، فهذا فرق والسلام . الآية العشرون قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ « 4 » وقال في سورة آل عمران « 5 » :

--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 191 . ( 4 ) سورة : البقرة ، الآية : 214 . ( 3 ) سورة : الأنفال ، الآية : 38 . ( 5 ) الآية : 142 .