محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
17
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
عملا واحدا عند الكوفيين وهو النصب ، إلا أن المذهب الصحيح ما ذهب إليه سيبويه ، وهذه الآية تدل عليه ؛ لأنه قدم فيها الصابئون ، والنية بها التأخير على مذهب سيبويه ، وإنما قدّم في اللفظ وأخر في النية ؛ لأن التقديم الحقيقي التقديم بكتبه المنزلة على أنبيائه عليهم السّلام ، فلذا فعل ذلك في الآية الأولى ، وكان هاهنا تقديم آخر بتقديم الزمان ، وجاءت آية أخرى قدم فيها هذا الاسم على ما أخر عنه في الآية التي قبل ، ثم أقيمت في لفظه أمارة تدل على تأخره عن مكانه كان ذلك دليلا على أن هذا الترتيب ترتيب بالأزمنة ، وأن النية به التأخير والترتيب بالكتب المنزلة ، وأما الترتيب الثالث في سورة الحج : فترتيب الأزمنة التي لا نية للتأخير معه ؛ لأنه لم يقصد في هذا المكان أهل الكتب إذ كان أكثر من ذكر ممن لا كتب لهم وهم : الصابئون والمجوس والذين أشركوا عبدة الأوثان ، فهذه ثلاث طوائف ، وأهل الكتاب طائفتان ، فلما لم يكن القصد في الأغلب الأكثر من المذكورين ترتيبهم بالكتب رتبوا بالأزمنة ، وأخر الذين أشركوا ؛ لأنهم وإن تقدمت لهم أزمنة ، وكانوا في عهد أكثر الأنبياء الذين تقدمت بعثتهم صلوات اللّه عليهم ، فإنهم كانوا أكثر من مني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بهم وصلي بجهادهم ، وكأنهم لما كانوا موجودين في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم كانوا أهل زمانه ، وهذا الزمان متأخر عن أزمنة الفرق الذين قدم ذكرهم . الآية السابعة قوله تعالى في هذه السورة : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً « 1 » وفي سورة آل عمران « 2 » : قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ . للسائل أن يقول : ما الفرق بين اللفظتين ولم كانت الأولى « معدودة » ، والثانية « معدودات » ، والموصوف في المكانين موصوف واحد ، وهو قوله : « أياما » ؟ الجواب عنه أن يقال : إن الجمع بالألف والتاء أصله للمؤنث نحو : مسلمة ومسلمات وصفحة وصفحات ومكسورة ومكسورات ، ولا يكاد يجيء الجمع الذي واحده مذكر هذا المجيء إلا ألفاظا معدودة نحو : حمام وحمامات ، وجمل سبطر وجمالات سبطرات ، وأسد سبطر وأسود سبطرات ، أي : تسبطر عند الوثبة ، وأما قولهم : كوز مكسور
--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 80 . . ( 2 ) الآية : 24 .