نذير حمدان
85
حكمة القرآن والحضارة
إليه ابن الأثير في كتابه الجامع . ومنه الحديث : الخلافة في قريش والحكم في الأنصار « 1 » ، خصّهم بالحكم لأن أكثر فقهاء الصحابة فيهم ، منهم معاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت وغيرهم . . . ونعرض مواقع ( الحكم ) من خلال السور باعتبار أنها تتحدث عن شخصيات معينة ذات سمات خاصة . ففي ( الأنعام 89 ) قال الرازي مستفيضا بذكر طوائف الحكام من العلماء والساسة والأنبياء ومبينا منازل كل فئة : ( تقدم ذكر الأنبياء الثمانية عشر ) وأن العطف ( الحكم والنبوة ) يوجب المغايرة فلذا فإن الحكام ثلاث طوائف : أحدها : الذين يحكمون على بواطن الناس وعلى أرواحهم ، وهم العلماء ، وثانيها : الذين يحكمون على ظواهر الخلق ، وهم السلاطين يحكمون على الناس بالقهر والسلطنة ، وثالثها : الأنبياء وهم الذين أعطاهم اللّه تعالى من العلوم والمعارف ما لأجله بها يقدرون على التصرف في بواطن الخلق وأرواحهم ، وأيضا أعطاهم من القدرة والمكنة ما لأجله يقدرون على التصرف في ظواهر الخلق ، ولما استجمعوا هذين الوصفين لا جرم كانوا هم الحكام على الإطلاق . إذا عرفت هذه المقدمة فقوله ( آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم العلم الكثير ، وقوله ( والحكم ) إشارة إلى أنه تعالى جعلهم حكاما على الناس نافذي الحكم فيهم بحسب الظاهر ، وقوله ( والنّبوة ) إشارة إلى المرتبة الثالثة وهي الدرجة العالية الرفيعة الشريفة التي يتفرع على حصولها حصول المرتبتين المقدّمتين المذكورتين ، وللناس في هذه الألفاظ الثلاثة تفسيرات كثيرة . واعلم أن قوله ( آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) يحتمل أن يكون المراد من هذا الإيتاء الابتداء بالوحي والتنزيل عليه كما في صحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى عليهم السلام ، وقرآن محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يؤتيه اللّه تعالى فهما تاما لما في الكتاب وعلما محيطا بحقائقه وأسراره ، وهذا هو الأولى ، لأن الأنبياء الثمانية عشرة المذكورين ما أنزل اللّه تعالى على كل واحد منهم كتابا على التعيين والتخصيص . ومع أن ابن كثير لم
--> ( 1 ) أحمد 4 / 185 والطبراني 17 / 121 ومجمع الزوائد 1 / 336 ، وكنز العمال 33809 .