نذير حمدان
86
حكمة القرآن والحضارة
يعرض لهذه المسألة فإن ما أشار إليه الرازي من عمومية ( الحكم ) بمعنى الحكمة وبمعنى الحاكميّة يدل على ممارسته بالأسلوب الحكيم حتى أصبحوا مصدرهما . إن اللّه أخذ الميثاق على النبيين بسبب ما آتاهم الكتب والحكمة وأكّد بعد عمومية ( الحكم ) والنبوة على تحرير الناس من العبودية للأنبياء ، وأن النبوة لا تقتضي تعبيد الناس لهم وتأليههم عليهم ، فإن الحكم والنبوة هبة اللّه لهم للقيام بالدعوات الدينية الصحيحة ، ( الأنعام 89 ) إن الحكمة تعني معرفة أسرار الشرائع ووضع كل شيء في محله ، وهي تساعد على تحسين الدعوات وتبليغ الناس الحقائق الإلهية . - وفي سورة ( يوسف 22 ) نقل ابن الجوزي أقوال المفسرين واللغويين ، في حكمة يوسف عليه السلام ، ومجملها أربعة أقوال : 1 - الفقه والعقل قاله مجاهد - 2 - النبوة ، قاله ابن السائب ، 3 - أنه جعل حكيما ، قاله الزجاج ، قال : ليس كل عالم حكيما ، إنما الحكيم : العالم المستعمل علمه ، الممتنع به من استعمال ما يجهّل فيه ، 4 - أنه الإصابة في القول ذكره الثعلبي . قال اللغويون : الحكم عند العرب ما يصرف عن الجهل والخطأ ويمنع منهما ويردّ النفس عما يشينها ويعود عليها بالضرر ، ومنه حكمة الدابة ، وأصل أحكمت في اللغة : منعت ، وسمي الحاكم حاكما لأنه يمنع من الظلم والزيغ . وينحو ( الزمخشريّ ) منحى العلم العملي وضرورته في حالات الصحة والفتوة . ( حكما ) حكمة ، وهو العلم بالعمل واجتناب ما يجهل فيه ، وقيل حكما بين الناس وفقها ، وينقل عن الحسن : من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه اللّه الحكمة في اكتهاله . وبينا يخصص ابن كثير الحكم بالنبوة وحدها باعتبارها جامعة للفضائل ، يفلسف الرازي الحكم بعد أن يورد أقوالا في تفسيره من الحكمة النظرية والعملية والبدنية . ويقول : في الحكم والعلم أقوال : الأول : أن الحكم والحكمة أصلها حبس النفس عن هواها ، ومنعها مما يشينها ، فالمراد من الحكم الحكمة العملية ، والمراد من العلم : الحكمة النظرية . وإنما قدم الحكمة العملية هنا لأن أصحاب الرياضيات يشتغلون بالحكمة العملية ، ثم يترقون إلى الحكمة النظرية ، وأما أصحاب الأفكار العقلية والأنظار الروحانية فإنهم يصلون إلى الحكمة النظرية أولا ثم ينزلون