نذير حمدان
84
حكمة القرآن والحضارة
قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ( الزخرف 63 ) ، وضرورة الدعوة إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة ( النحل 25 ) والحكمة والحكم في الحقيقة لا يخرجان عن مصدريهما الإلهي بتكوين خلقي مميز للإنسان الحكيم ، ومع هذا فيغلب على ( الحكم ) معنى الفهم الخاص والمعرفة المتميزة والقدرة الذاتية لأغلب الرسل ، كما يغلب على الحكمة إلى جانب الدلالة السابقة ولجميع الرسل في مسائل الدين العقائدية والتشريعية والخلقية في أعماقها وفهم أسرارها . وأن الحكم مقترن غالبا بعمل الرسالة والنبوة خاصة بينما يمكن أن تستوعب الحكمة الأنبياء وغيرهم من عامة الناس ( البقرة 269 ) و ( لقمان 12 ) . أضف إلى ذلك إمكان تعلّم الحكمة وتعليمها ، وإمكان أخذها وإعطائها مما لا نجده في ( الحكم ) ، فإن آيات عديدة في حكمة الأنبياء تصفهم بها وتطلب منهم تعلمها وتبليغها عموما ، فقد آتاها اللّه آل إبراهيم ( النساء 54 ) وبعض الملوك العبرانيين ( البقرة 251 ) وبخاصة لداود عليه السلام ، وتعلمها في ( المائدة 110 ) بالنسبة لعيسى عليه السلام . وتعليمها في ( البقرة 151 ) بالنسبة إلى الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم وهكذا فإن ( الحكم ) بالسياق القرآني هبة من اللّه يعطيه عباده المصطفين وليس شيئا يتلى على الآخرين ولا علما يقدم لهم ، هو قدرة ذاتية خاصة تنفع صاحبها في أداء مهماته وتوصيل المعاني والمبادئ السامية للناس . وفي اللّسان : الحكم : العلم والفقه ، قال تعالى : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا أي علما وفقها ، هذا ليحيى بن زكريا ، وكذلك قوله : الصّمت حكم وقليل فاعله « 1 » وفي الحديث : إنّ من الشّعر لحكما « 2 » : أي إن في الشعر كلاما نافعا يمنع من الجهل والسفه ، وينهى عنهما . قيل أراد بها المواعظ والأمثال التي ينتفع الناس بها . والحكم : العلم والفقه والقضاء بالعدل وهو مصدر حكم يحكم ، ويروى : إنّ من الشّعر لحكمة « 1 » ، وهو بمعنى الحكم . وهذا ما سبق
--> ( 1 ) كنز العمال 6880 وابن عدي 5 / 1816 ونقل الحافظ العراقي في الاحياء 3 / 108 تصحيحه عن ابن حبان في كتابه : روضة العقلاء . ( 2 ) البخاري : ما يجوز من الشعر والرجز . . ( 6145 ) بروايات متقاربة ، وسيأتي عزوه مفصلا .