نذير حمدان

83

حكمة القرآن والحضارة

الحكم بمعنى الحكمة والسياسة . . . . والقرآن إن الجذر اللغوي الواحد ، والدلالة المشتركة ، واهتمامات القرآن بكل دلالة ومعنى تبرز غنى هذه المادة فيه ، منبها وموجها وبانيا للحضارة المثلى ، وإن ما يجمع بين المعنيين الإحكام فلا بدّ منه للسياسة والحكمة معا ، فإتقان العمل من الحكمة ، ومحكم السياسة من الحكمة و ( إنّ اللّه يحبّ إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ) كما جاء في الحديث « 1 » ، والإحكام يعني النظام وإعمال العقل وسداد الأمور ، فالقول العابث ناب عن الحكمة ، والسياسة المخلخلة الفوضوية لا يمكن أن تأتي بخير ، والعمل حكمة وسياسة ، لا يقصد بذاته بقدر ما يقصد بنتائجه وثمراته ، وقد يكون إهمال العمل بالكلية أقل ضررا وأذى من العمل المتهافت الضعيف ، لأن في ترك العمل تضييعا وإهدارا لقيمته ، أما العمل المتهافت وأحيانا التظاهر بالجدّ في العمل وإحكامه وهو على غير هذه الحقيقة فإنه يورث الإحباط في نتائجه وثمراته ويدفع إلى اليأس المرير في سلامة العمل أصلا وطبيعة ، وهي حالة نفسية و ( عملية ) معا . وفي مقدمة الإحكام ، القرآن الذي أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( هود 1 ) ولا غرابة في ذلك فإنه من الحكيم الخبير فلا خلل في الآيات ولا تعارض بينها ولا تنسخ بشريعة أخرى ( الحج 52 ) . وإن سياسة ليس فيها الحزم والمضاء والسداد هي سياسة خرقاء لا يمكن أن تعطي تقدما حضاريا ، وآثارا حكيمة صالحة . أولا : الحكم بمعنى الحكمة : فقد ورد ( الحكم ) بمعنى الحكمة حوالي ( 11 ) مرة في طوال المفصّل ووسطه بمعدل نصف ما ورد فيه لفظ ( الحكمة ) وفي المواضع والمسائل ذاتها ، ويشترك مع الحكمة في أنهما هبة من اللّه وعطاء منه ( آتينا - وهب - هب ) ، وضرورتهما لقيام النبوات والحضارات السامية الربانية ، وأن الرسل في مقدمة الناس الذين يتحلّون بهما لنجاح مهماتهم وتغيير مجتمعاتهم . ويدخل في ذلك بعض الألفاظ غير الصريحة والمشعرة أن للحكمة خصوصية ، عنه في مثل خطاب عيسى عليه السلام قومه بالبيان النبوي

--> ( 1 ) المقاصد الحسنة ( 240 ) بروايات عن العسكري وأبي يعلى .