نذير حمدان
81
حكمة القرآن والحضارة
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إنه تال للقرآن معلم للكتابة ، مفهم لهم أسرار الأشياء . مطهرهم من ذميم الأخلاق والمعاصي ، وهذه ليست غريبة ولا بعيدة الوقوع والإمكان فإنها من العزيز الحكيم . ومن ذلك أيضا آية ( الجمعة 2 ) التي كانت بعثته عليه الصلاة والسلام تحرير العرب من الأميّة إلى جانب الصّفات الهامة التي صرّحت بها الآية السابقة . فإن العرب كانوا في ( ضلال مبين ) ، وهذه الآية واقعة بين آيتين صرحت كل منهما في آخرها بالعزيز الحكيم . وعلى هذا فإن صفة ( الحكمة ) و ( الحكيم ) لم تكن دعاية إعلامية تسجيلية وإنما هي حقيقة متنزّلة من آيات اللّه الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ( يونس 1 ) ، ومهما اختلفت مطالع السور في الحروف المقطّعة فإن ( الحكيم ) صفة لازمة وثابتة للقرآن . ألم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ( لقمان 12 ) ، فقد وصفه بالكتابة ( كتاب ) في آيتين وبالقراءة ( القرآن ) في آيات أخرى وبالذكر في آية رابعة ، فإن الحكمة في كل منها قدر مشترك لا ينفكّ عنها ، وقد قرن مع ( الحكيم ) في مواصفات القرآن خاصة ، صفات أخرى متناسبة معها ، فهو الخبير الذي لا تفارقه الحكمة ولا عن كتابه كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( هود 1 ) ومعروف عموما العلاقة القوية بين الخبرة والحكمة ، إذ لا حكمة بلا خبرة ، ولا خبرة ناجحة من غير حكمة ، ويبدو من تقديم الحكمة على الخبرة أنه تقديم ضروري لقطف ثمرات الخبرة اليانعة حين تقوم على الحكمة ووزن الأمور بالعدل والاستقامة ، وأخصها قوله : كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أنها صفات ثلاث : الألوهية والعزّة والحكمة تحتضن الوحي والتنزيل ، وأكّد اللّه الرفعة بالعلو والسمو الإلهي ، فهو في أقدس مكان وأرفعه في اللوح المحفوظ ، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( الزخرف 4 ) حتى إن ليلة الوحي والتنزيل متميزة عن جميع الليالي فهي ليلة القدر فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( الدخان 4 ) . إن وصف اللّه القرآن بالحكيم وبخاصة عند القسم به وبحكمته في ( يس 1 - 12 ) ربط الحكمة القرآنية بالرسول والرسالة والمرسل ، وذلك من أجل تبليغ هذه الحكمة الناس وإنذارهم وتبشيرهم بها ، فالرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم واحد من المرسلين مهما اشتدّوا في إنكارهم