نذير حمدان
80
حكمة القرآن والحضارة
- القرآن حكمة وحكم وحكيم : وإذا احتملت بعض سياقات الحكمة أنها للقرآن وغيره فإن من السّياقات الصريحة الواضحة لها ما جاء في ( الإسراء 25 ) التي صرّحت أن الوصايا الخلقية هي من القرآن الحكمة . وما جاء في ( الأحزاب 34 ) التي صرحت بما يتلى في البيوت النبوية وهو قريب بما وصف اللّه به الزبور ( ص 20 ) وما وصف به الإنجيل ( الزخرف 63 ) . ويمكن إلحاق ( الحكم ) بالحكمة في وصف القرآن عند قوله وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا ( الرعد 37 ) مما يتناسب مع ما أنزل اللّه كتبه الأخرى أيضا . فالقرآن حكمة سواء كان من آيات مكية أو مدنية كما سبقت الإشارة في سورتي الإسراء والأحزاب ، وحكمته إذ تشمل معاني القرآن في أي متنزّل فإنها تؤكد أيضا ما وصف اللّه كتابه ( بالحكيم ) في أربع آيات مكية ومدنية أيضا ، ومتناسب تماما مع وصف اللّه ذاته بالحكيم أيضا في أكثر من ( 78 ) مرة وآية ، بالإضافة إلى وصفه ب ( حكيما ) في ( 16 ) مرة وآية ، كما سيأتي بعد . ومما يلفت الذهن أن وصف اللّه كتابه بالحكيم في ثلاث آيات هي ( يونس 1 ) و ( لقمان 2 ) و ( يس 1 ) كلها جاءت عقب الحروف المقطّعة التي يقصد بها تثبيت إعجاز القرآن مثل ( ألر ) و ( ألم ) و ( يس ) . - إنّ ما تقدّم من سياقات الحكمة وما سيأتي من وصف اللّه ذاته بالحكيم ينبّه إلى فضيلتين : فضيلة الحكمة بذاتها من حيث أنها قيمة فكرية وعملية ، وفضيلة من حيث أن مرجعها الحكيم وأحكم الحاكمين . أضف إلى ذلك أن القرآن ذاته هو حكيم لفظا ومضمونا ومقصدا ، فإن آياته وقد اشتملت على الحكمة ضمنا وصراحة تلهم أن اللّه لم يمنح رسوله أيّ كلام وأيّ كتاب وأي تشريع وإنما هو كلام الحكيم وكتاب الحكمة وتشريع الحكيم فاللّه أنزل القرآن فصلا بين الحق والباطل لما اشتمل عليه من آيات الحكمة في الإلهيات والنبوات وأصحها ، والطبيعيات وأدقها ، والإنسان ودوره في الوجود فهو حكمة كلية جامعة ، وأيضا فهو حكم جزئية تتعلق بكل آية أو نجم فيها مسألة أو مسائل . حتى تكتمل الحكمة بنزول القرآن جميعه ، ومن ذلك آية ( البقرة 129 ) التي هي من دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، أن يبعث رسوله محمدا صلى اللّه عليه وسلم منهم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ