نذير حمدان
61
حكمة القرآن والحضارة
التأمل وطريق الإلهام ، فالحكيم يتصل عن طريق العقل والدراسات العقلية النظرية ، والنبي يتصل عن طريق المخيلة ، والوحي المنزل أثر من آثار المخيلة ونتيجة من نتائجها وقد تحصل بالرؤية الصادقة وبالوحي ، وميزة النبي في رأي الفارابي أن تكون له مخيلة قوية تمكّنه من الاتصال بالعقل الفعال أثناء اليقظة وفي حال النوم ، وبهذه المخيلة يصل إلى ما يصل إليه من إدراكات وحقائق تظهر على صورة الوحي أو الرؤيا الصادقة ، وليس شيئا آخر سوى فيض من اللّه عن طريق العقل الفعال ، وهناك أشخاص قويو المخيلة ولكنهم دون الأنبياء فلا يتصلون بالعقل الفعال إلّا في حالة النوم ، وقد يعزّ عليهم أن يعربوا عما وقفوا عليه ، أما العامة والدهماء فمخيلتهم ضعيفة هزيلة لا تسمو إلى درجة الاتصال هذه لا في الليل ولا في النهار . يقول الفارابي : ودون الأنبياء من يرى بعض الصور الشريفة في يقظته وبعضها في نومه ، ومن يتخيل في نفسه هذه الأشياء ولكن لا يراها ببصره ، ودون هذا من يرى جميع هذه في نومه فقط « 1 » . ويمكن الاعتراض على رأي الفارابي إضافة لما سبق ، بما يلي : 1 - العقل الفعال مصطلح فلسفي قديم ليس له صلة بالأصول التراثية ومنها القرآن والسنة وكتب الحكمة الأقدم ، والواضح أن العقل الفعال عنده قوة معنوية ملهمة ، أعظم من قوة العقل التأمّلية ، وهي أقدر على الاتصال باللّه . 2 - ونظرية الفيض الإلهي لتصوير الوحي يونانية هندية صوفية ، وهي مرفوضة في التفكير الإسلامي الأصيل ، وكانت ذات أثر سلبي في حكمة المسلمين وفلسفتهم فيما بعد ، بالإضافة إلى تأثّر الصوفية بها والتي اختلطت بأطراف نظريات الإشراق والكشف . . . 3 - لم يستوعب طرق الوحي الواردة في القرآن جميعها مثل : اتصال الرسول بأمين الوحي جبريل عليه السلام الثابت بالسنّة الصحيحة المتواترة معنى أيضا .
--> ( 1 ) المدينة الفاضلة 51 نقلا من كتاب : في الفلسفة الإسلامية ، منهج وتطبيق د / إبراهيم مدكور .