نذير حمدان

62

حكمة القرآن والحضارة

4 - وعلى الرغم مما حاوله الفارابي من رفع مرتبة النبي فوق مرتبة الحكيم ومن سواه فإنه سوّى بين الحكيم والنبي في القدرة على الاتصال بالعقل الفعال وإن اختلفت الوسائط ، وهي مساواة مرفوضة بوسائل ووسائط غير يقينية . - ف ( الحكمة الذاتية ) للنبي والفيلسوف تجعل من النبي نبيا حكيما ، ومن الفيلسوف فيلسوفا وحكيما ، وإن أعظم حكم الأنبياء هي نبوتهم التي تكمن في طبائعهم المختارة ، وهي حكمة ذاتية متأصّلة في شخصية النبي التي توسعت في كنف اللّه وهي غير المتأصلة في شخصية الحكيم التي ربما توسعت في التجربة والثقافة . وإذا فضّل اللّه بعض الأنبياء على بعض بصفات معنوية وحسية ودعوية طبقا لقوله تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ( البقرة 253 ) مع أنهم جميعا مشتركون في الوحي الإلهي الواحد فإن من المعقول والمأثور أن يفضل الأنبياء على الفلاسفة بالنحيزة الخاصة والطبيعة الموهوبة والذاتية القادرة مع ما يضاف لها من معارف وتجارب إلهية ووضعية ، وهذا ينطبق على الحكماء الذين يدينون بشريعة صحيحة ويلتزمون بها ويقتدون بفضائلها ، أو يوفّقون بينها وبين شرائعهم في حالات التعارض الظاهري ، وعندئذ يكون الدّين أعظم روافد الحكمة العامة وتكون الحكمة أرحب منابع التدين وألصقها بالمستويات الحياتية والوجودية المتشعبة . ولذا نجد حرص كثير من حكماء الإسلام على ضرورة تعانقهما وتآزرهما والارتواء من منابعهما بحيث ينكرون وأحيانا يشدّدون النكير على أولئك المفرّقين بين الدين والحكمة والمعارضين بينهما ، بينما نجد آخرين يعتبرون ( الشريعة الفلسفة الكبرى ) ليس بالوصف وحده وإنما بالعمل والالتزام أيضا . ويفاضل العلماء الحكمة الذاتية بين الأنبياء والحكماء بدرجات متفاوتة ، يقول الرازي : أما الحكمة وهي إحدى صفات النفس الشريفة ، فهي إما أن تكون غريزية أو مكتسبة ، فالحكمة الغريزية هي كون النفس صادقة الأحكام في القضايا الفطرية ، وهذه الحكمة الغريزية هي الاستعداد الأول لاكتساب الحكمة المكتسبة ، وللنفوس تفاوت فيها حتى إن البالغ فيها إلى الدرجة العالية هو النفس القدسية النبوية ، وتقابلها النفس البهيمية التي لا تنتفع بتنبيه منبّه