نذير حمدان
56
حكمة القرآن والحضارة
( فالذي يحصل لا بطرق الاكتساب وحيلة الدليل يسمى إلهاما ، والذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا ، ثم الواقع في القلب بغير حيلة وتعلّم واجتهاد من العبد ينقسم إلى ما لا يدري العبد أنه كيف حصل له ، ومن أين حصل ، وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم ، وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب . والأول يسمى إلهاما ونفثا في الروع ، والثاني : يسمى وحيا وتختص به الأنبياء والأول يختص به الأولياء والأصفياء ، والذي قبله وهو المكتسب بطريق الاستدلال يختص به العلماء ) « 1 » . ولذا يمكن تصنيف القلوب إلى : قلوب ملهمة ، وقلوب متعلّمة كاسبة ، ولكل منها درجات متفاوتة من الإلهام والتعليم . ومع اعتبار أن قلب الإنسان عموما هو وعاء العلم والإرادة ويعدّ غاية درجة الإنسانية تحصيل العلوم المكتسبة بالتجارب والفكر فلا بد أن يتفاوت الخلق فيها بكثرة المعلومات وقلتها ، وبشرف المعلومات وخستها ، وبطريق تحصيلها ، إذ تحصل لبعض القلوب بإلهام إلهي على سبيل المبادأة والمكاشفة ، ولبعضهم بتعلم واكتساب ، وقد يكون سريع الحصول وقد يكون بطيء الحصول ، وفي هذا المقام تتباين منازل العلماء والحكماء والأنبياء والأولياء ، فدرجات الترقي فيه غير محصورة ، إذ معلومات اللّه سبحانه لا نهاية لها ، وأقصى الرّتب رتبة النبي التي تنكشف له كل الحقائق أو أكثرها من غير اكتساب وتكلف ، بل بكشف إلهي في أسرع وقت . . . . كما أنّا نؤمن بالنبوة والنبي ، ونصدّق بوجوده ، ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلّا النبي « 2 » . والأنبياء يتوجّهون إلى ذلك الأفق ( الملائكي الأعلى ) بذلك النوع من الانسلاخ ( من البشرية جملة جسمانيتها وروحانيتها ) متى شاءوا بتلك الفطرة التي فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة . إن تفاوت الإلهام بين فرد وآخر ينبئ عن تفاوت الأجهزة التي تحمل هذه القدرة
--> ( 1 ) الغزالي الإحياء 8 / 32 ، 43 . ( 2 ) ابن خلدون المقدمة 1 / 158 .