نذير حمدان
57
حكمة القرآن والحضارة
مثل اختلاف الإحساس المادي بالأشياء الخارجية ، فقد اعتبر العلماء أن القلب موئل الإلهام الذي لا بدّ أن يتفاوت من إنسان لآخر ومن إنسان عادي إلى نبيّ مرسل . يقول الغزالي « 1 » : واعلم أنه ما من أحد إلّا ويدخل في قلبه الخاطر المستقيم وبيان الحق على سبيل الإلهام ، وذلك لا يدخل عن طريق الحواس بل يدخل في القلب لا يعرف من أين جاء ، لأن القلب من عالم الملكوت ، والحواس مخلوقة لهذا العالم - عالم الملك - فلذلك يكون حجابه عن مطالعة ذلك العالم إذا لم يكن فارغا من شغل الحواس . وإذا لم يقصد الغزالي بالقلب العضلة الصنوبرية الدفّاقة كما صرّح في بعض الأماكن فإن المقصود هو القوة المعنوية الاستشفافية لتلقي الفيوضات الإلهية بالروحانية التي أودعها اللّه في كل نفس صافية وقلب طهور ، فالقلب هو ( حقيقة روحه التي هي محل معرفة اللّه دون اللحم والدم الذي يشارك فيه الميت والبهيمة ) . وهذا حاصل أو يمكن حصوله مع جميع الناس الذين تتحقق فيهم هذه الاستقبالية المتميزة ، وكما أن الرؤيا الصادقة جزء من أربعين جزءا من النبوة فإن صلاحية ( الاستقبالية ) فطرة لكل إنسان مهما تدنّت درجته في الفلسفة والحكمة لا ينفكّ عنها ، ومن ثم فإنها تتصاعد وترقى في سلّمها حتى تكتمل في نفسه وسلوكياته ، فالإلهام بداية واستكمالا ملكة وقدرة في ملكة يوهب بعض الناس شيئا من فضلها ويستكملها آخرون بالمعارف المتشعبة وبالتجارب المختلفة ، ولذا تقتصر النبوة على أولئك المصطفين الأخيار الذين يتفوقون بإلهاماتهم ويبزون الفلاسفة لا من حيث طبائعهم وذواتهم وحسب وإنما من حيث الاتصال بالوحي الإلهي والعلوم الربانية اللّدنّية التي خصّهم اللّه بها ، ولذا صح القول : إن كل نبي ملهم وليس كل ملهم نبيا . وتتضح هذه المسألة بما يلي : إن الإلهام النبوي ومثله الحكمة يمنح معرفة شخصية ودينية ودنيوية ، وهو طريق يقينية مؤيدة بالوحي الظاهر والخفي ومعتمد على اللّه الموحي ، والإلهام العام يمنح معرفة شخصية ودنيوية وحسب وهو طريق ظنيّة للوصول إلى لمعات متميزة عن عادة الناس وتصرف متخير عن التصرفات البشرية . فالإلهام النبوي نابع من الوحي الإلهي
--> ( 1 ) المنقذ 85 و 125 .