نذير حمدان

55

حكمة القرآن والحضارة

بين الحكمة الإلهية ووحي اللّه ورسالاته وبين حكمة الناس وحكمة الحكماء وفلسفتهم الوضعية المتأثرة بالتجربة والمزاجية والبيئة وتقلّب الأحوال وصروف الزمان . والحكمة في النبوة والفلسفة من اللّه لصالح الإنسان وفائدته ورقيّه ، وهي من منازع النفوس وأهوائها وتطاولها ما دامت لشر الإنسان وإيذائه وضرره وانحطاطه ، فاللّه يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ ، وهذه ليست خاصية لنخبة الناس من الحكماء وإنما قد يؤتى الحكمة العامة أو بعضهم فيما يعرف بحكمة الشعب ، فتجري على ألسنتهم أمثالا ، وتنساب من بين أيديهم وخلفهم تجارب وخبرات ، وفي تصرفاتهم سلوكيات حكيمة ، وهي حكمة ( الجبلّة ) التي هي من هبات اللّه ونعمه على من يشاء كما وهب بعضهم ملكة الشعر الحصافة في المجالات المعنوية ووهبهم رواء الحسن المادي وجمالية التركيب البدني والصوتي ، فما بالك إذا اعتمدت حكمة النبي على العلم الإلهي والمعرفية الموحاة التي لا يحصل عليها الإنسان العادي من أي مصدر وضعي ؟ والإلهام درجات تبدأ بالحدس الصادق وتنتهي بعين اليقين ، وهو أعلى مراتب الملهمين ، وإنه من الخطأ أن نخلط بين الإلهام الفني والإلهام الديني ، لأن الإلهام الفني قد يكون في الشر كما يكون في الخير ، وقد يقال : إن اللصّ وهو يحاول سرقة المكان سنحت له خاطرة ملهمة لتيسير السرقة ثم لتيسير الهرب من الحراس ، وليس هذا من الإلهام الرباني في شيء ، وإنما يكون إلهام اللّه في سبيل الحقائق العليا والكشف عن الأسرار الروحية ، والنفاذ إلى لباب الخلق وبواطن الحكمة الإلهية ، وهذه منزلة يرتقي إليها طلاب الوصول إلى اللّه . إن أشعر الشعراء طرا وأحكم الحكماء شعرا كما قال العقاد مبالغا هو السيد أبو الفتح علي بن محمد البستي حيث قال : زيادة المرء في دنياه نقصان * وربحه غير محض الخير فقدان أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم * فطالما استعبد الإنسان إحسان أقبل على النّفس واستكمل فضائلها * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان « 1 »

--> ( 1 ) مقال للعقاد : الرسالة ( 679 ) للعام 1946 . قارن بما سبق من صراحة القرآن بإلهام الفجور ودلالته .