نذير حمدان

54

حكمة القرآن والحضارة

القدرة ( الإلهام ) كامنة في كيانه ، يعبّر عنها القرآن بالإلهام تارة ، ويعبّر عنها بالهداية تارة . فهي كامنة في صميمه في صورة استعداد . . . والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها وتوجهها هنا أو هناك ، ولكنها لا تخلقها خلقا ، لأنها مخلوقة القرآني فطرة وكائنة طبعا ، وكامنة إلهاما إ . ه . فالإلهام القرآني هو قوة أو أمر يبعثه على الفعل أو الترك كما سبق قول ابن الأثير ، أو قدرة خفية كامنة في النفس مودعة فيها من اللّه الخالق الملهم ، وقد تكون قدرة فائقة في النباهة والذكاء والخيال . وبقيت مسائل منها أن تقديم الفجور على التقوى يؤذن أن يحرّر الإنسان من دعواه الباطلة أحيانا بأنه يعتمد على الإلهام وحده وأن فساده راجع إلى الإلهام المتقدم ، والمسألة الثانية ، أن الأرض التي أقسم اللّه بها قبلا ، وَالْأَرْضِ وَما طَحاها هي البيئة المناسبة للنفس الإنسانية الملهمة بالخير أو بالشر ، وأنّ هذه النفس بهذين الوصفين ملائمة للأرض المبسوطة الممهدة للحياة . والمسألة الثالثة هي أن هذه النفس عنصر كوني يقرنه اللّه بالعناصر الكونية الكبرى التي أقسم بها في أول السورة : الشمس ، القمر ، النهار ، الليل ، السماء ، الأرض . . . والمسألة الرابعة وقد أشار إليها المفسرون : التبعات المختارة والإرادة الحرّة والمسؤولية القائمة عليها في الفلاح والخيبة . وهذا ما يسمو بالإنسان إلى قمة الكرامة البشرية وخصائصه في الحرية والتمكين والخلافة . إن مجرد إيداع اللّه هذه القوة أو القدرة التي تستعد لفعل الخير أو الشر من غير إلزام بأي منهما ومن غير حجر على إرادة واحد منهما يفتح آفاقا حضارية مسؤولة في المنطلقات والأعمال والعلاقات ، مسؤولية السلوك الفردي في الكلمة والتصرف ، ومسؤولية السلوك الاجتماعي المتعاون والمتآخي ، ومسؤولية السلوك العالمي في الحالات الغالبة للبرّ والإقساط في العلاقات الدولية المتماثلة حين لا يعتدى على أرواح المسلمين ودينهم وأرضهم ( الممتحنة 8 ، 9 ) . إن الوحي بمعنى الإلهام قدر مشترك بين النبوة وبعض الحكمة والفلسفة والأدب والفن ، فالنبي ملهم من اللّه في بعض الوحي موحى له بالنبوة وأحيانا بالرسالة ، وبعض الحكماء والفلاسفة أوتوا الحكمة وألهموا بها فجرت على ألسنتهم وفي كتبهم . ولكن شتّان