نذير حمدان

50

حكمة القرآن والحضارة

أما كتاب ( المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات ) : للإمام الرازي ( ت 606 ه ) فقد عنون بالآية وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً « 1 » ويصف الرازي كتابه السابق أنه مشتمل على أشرف العلوم الحكمية وأرفع المباحث الحقيقية ، ووصف الفلسفة في ( نهاية العقول في دراية الأصول ) : مادة الشكوك والشبهات في جميع الملل والأديان ، فمن أحكم إبطالها قدر على إفساد جميع الأباطيل والشبهات . وشرح ( الإشارات والتنبيهات لابن سينا ) ولكنه عارضه في كثيرها ، حتى أطلق بعضهم عليه اسم ( جرح ) لا ( شرح ) وفي شرح ( عيون الحكمة ) لابن سينا أيضا يقول الرازي : إني مخالف لمقتضى هذا الكتاب في دقيقه وجليله وجملة تفاصيله ، وأن هذا الكتاب غير مبني على المنهج المستقيم « 2 » . وكذلك يقف ابن تيمية من الفلسفة والفلاسفة موقف العالم الديني المتعمّق بفهم انحرافاتهم وتقويم ذلك شرعيا . وهو إذ يصرّح أن ( طائفة ) منهم لا جميعهم على غير ملّة الإسلام فإنه بعرضه لأفكارهم ومغالطاتهم وآرائهم يحدد موقف الإسلام منها وحدها وليست جميع أفكارهم وآرائهم بالدقة المطلوبة من العالم بالنسبة للأشخاص ، وبالنسبة لمذاهبهم وآرائهم يقول : ( . . . . فطائفة من الفلاسفة ونحوهم يظنون أن كمال النفس في مجرد العلم . . . ) ثم يقول : ( وهؤلاء ضالون بل كافرون من وجوه منها : أنهم اعتقدوا الكمال في مجرد العلم . . . ويرد عليهم أن كمال النفس ليس في مجرد العلم ، بل لا بدّ مع العلم باللّه من محبته وعبادته والإنابة إليه ، فهذا عمل النفس وإرادتها ، وذاك علمها ومعرفتها ) والوجه الثاني أنهم ظنوا أن العلم الذي تكمل به النفس هو علمهم وكثير منه جهل لا علم ، والثالث : أنهم لم يعرفوا العلم الإلهي الذي جاءت به الرسل ، وهو العلم الأعلى الذي تكمل به النفس مع العمل بموجبه ، والرابع : أنهم يرون أنه إذا حصل لهم ذلك العلم سقطت عنهم واجبات الشرع وأبيحت لهم محرماته . . . ثم يقول : وأصل المتفلسفة أن الفلسفة التي هي الكمال عندهم هي التشبه بالإله على قدر الطاقة وهم يقولون : إن حركات الأفلاك لأجل التشبه

--> ( 1 ) لا ندري عن عنونة الكتاب بالآية هل هي من الرازي المؤلف أو من المحقق . ( 2 ) من مقدمة ( المباحث المشرقية ) ص 90 الرازي . جزءان تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي .