نذير حمدان

47

حكمة القرآن والحضارة

إنّ مسلك الغزالي في كتاب التهافت قائم في معظمه على التشكيك والنقد ، ولكن التشكيك عمل علمي له قيمته ، فإن بعض الفلاسفة يذهب إلى القول بأن : ( وظيفة الفلسفة لا تقوم في وضع حلول المشاكل ، بل تقوم في تفنيد الحلول الموضوعة للمشاكل ) « 1 » . نعم إن هدف كتاب التهافت هو إظهار العقل بمظهر العاجز عن اقتناص الحقائق الإلهية . . ولكن الغزالي إذ يحاول تقييد سلطة العقل ، ويتخذ من العقل نفسه مطيّة للوصول إلى هذه الغاية ، فإن عمله هذا يكون محاولة عقلية لإثبات قصور العقل في ميدان الإلهيات ، وشهادة عقلية بأن للعقل حدّا يجب الوقوف عنده « 2 » . وقالوا عن كتابه : إنه طعن الفلسفة طعنة لم تقم لها بعد في المشرق قائمة . إنها على تهافتها لا تعدو أن تكون مسائل ( بعضية ) محددة ، ففي رأي باحثين معاصرين نفي العقلانية عن الفلسفة اليونانية ، وأن ( أوج العقلانية في الفلسفة هو حضيضها ) وإن أوج إزهار الفلسفة اليونانية متمثلة في تكوّن المدارس الفلسفية بالمعنى العميق الكامل على يد أفلاطون وأرسطو والرواقية والأفلاطونية المحدثة ، هو نفسه حضيض العقلانية ، والرجوع إلى المسلّمات نفسها الغيبية للبدائيين ، موضوعة بكلام منمّق ونظام فلسفي يخفي على غير الخبير معدنها الميثولوجي البحث ( فما فكرتا المثل والتناسخ عند أفلاطون وهي كل فلسفته ، وما الإله المحرك الغائي والعقول الفلكية عند أرسطو وهي عماد ميتافيزياه ، وكذلك ما فكره أفلوطين عن الفيض ، والواحد الذي يلد ، والبذور التي تصدرها النفس الكلية . . إلّا نزعات خرافية ) « 3 » . وفصّل الغزالي ردوده مبينا مواطن الانحراف والصحة في التكفير والتبديع والقبول : ومجموع ما صحّ عندنا من فلسفة أرسطاطاليس ( أرسطو ) بحسب نقل هذين الرجلين ( ابن سينا والغزالي ) يحصر في ثلاثة أقسام :

--> ( 1 ) الغزالي السابق ، مقدمة ص 10 عن أسس الفلسفة د / توفيق الطويل ص 126 ط 2 . ( 2 ) د / سليمان دنيا مقدمة كتاب تهافت الفلاسفة 10 - 11 . ( 3 ) من الميثولوجيا إلى الفلسفة عند اليونان : د / حسام محي الدين الألوسي ، وبواكير الفلسفة قبل طاليس ، ونقلها : جذور الاستبداد 36 د / عبد الغفار مكاوي سلسلة عالم المعرفة ( 192 ) .