نذير حمدان
45
حكمة القرآن والحضارة
الأشياء والمعاني ، فها هو عيسى بن إسحاق ( ت 448 ه ) مثلا وهو حكيم منطقي له رسالة في أنّ علم الحكمة أقوى الدواعي إلى متابعة الشرائع ومنها : من زعم أن الحكمة تخالف الشريعة فهي مفسدة لها . ومن قال إن الحكيم يستخفّ بالشريعة لأن الحكيم يبحث عن غوامض الأمور وحقائقها ، فليس له أن يتفوّه بلائمة ، لأنه اعتقد في الشريعة أن البحث عنها يفسدها ، فهو أولى باللوم بسبب هذا الاعتقاد « 1 » . ويعدّها آخرون ( إحياء للسنة ) وإقامة للبدعة باعتبار أن الحكماء قدوة فكرية وعملية وشرعية . فالبيروني أبو الرّيحان ، من أجلّاء المهندسين كان يقول : مدارسة أخلاق الحكماء والعلماء تحيي السنّة الحسنة وتميت البدعة السيئة « 2 » . ولذا فإن ( الغزالي ) يرى في حكمة بعض الفلاسفة مجال الاقتباس حتى في المصطلحات العلمية والتعليمية فإنه لا يتأبّى وأمثاله من الأخذ بها فهي من ( الكلمة الحكمة ) ، يقول : . . . وهب أنها ( الكلمات والمصطلحات ) لم توجد إلا في كتبهم ، فإذا كان ذلك الكلام معقولا في نفسه ، مؤيّدا بالبرهان ، ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة ، فلم ينبغي أن يهجر ويترك ؟ فلو فتحنا هذا الباب ، وتطرّقنا إلى أن نهجر كل حق سبق إليه خاطر مبطل للزمنا أن نهجر كثيرا من الحق ، ولزمنا أن نهجر جملة آيات للقرآن ، وأخبار الرسول « 3 » ، وأخيرا فإن الجمع بين علوم الشريعة والعلوم العقلية هو غاية ( الفحول ) من العلماء وأسمى مراتب الشرف العلمي . وكان شرف الرجل في تلك الأعصار بمقدار تحصيله وإحاطته من العلوم العقلية والنقلية ، وكان في عصرهم فحول ممن جمع بين الحكمة والشريعة كالعلامة شمس الدين الفناري ،
--> ( 1 ) من تاريخ الحكماء للبيهقي 43 ، 75 . ( 2 ) السابق 74 . ( 3 ) المنقذ 55 للغزالي .