نذير حمدان
41
حكمة القرآن والحضارة
إلى الطريقة الثانية إن وافقوا في رياضتهم أحكام الشرع فهم الصّوفيّة ، وإلّا فهم الحكماء الإشراقيون . . . ثم يقسم علوم الفلسفة والحكمة إلى سبعة « 1 » وكان بعض هؤلاء يتهم في دينه ويوصم في عقيدته ما دام متأثرا بالفلسفة الإغريقية مهما عدّل فيها ونقّح وحاول أن يقرّبها من الشريعة ومسائلها وقضاياها أو يقرّب الشريعة منها وبخاصة الكليات الكبرى في الألوهية والذين اعتبروا ذلك دفاعا عن الإسلام من الاستغراب الفلسفي بما أظهروه من تهافت المسائل المطروحة وتهافت أصحابها بسبب أخذهم من فلسفات الآخرين ما نفع منها وما ضرّ ، وما وافق الإسلام وما خالفه . . وكان موقف الكثير من ( منتحلي ) الفلسفة ليس هجوما عابرا ولا إنكارا تقليديا سطحيا وإنما هو تفنيد لآرائهم وتحليل لأهم قضاياهم والردّ عليها بالأسلوب الحكمي الفلسفي ذاته ، وربما تجاوزوا ذلك إلى الردّ بالحجّة والدليل على الفلاسفة اليونان الأوائل بالمنحى العقلي والمنهج الفكري ذاته وإن استشهدوا أحيانا بمعارفهم الشرعية . إنّ تحرير الفكر الإسلامي وتنقيته من الدخيل المنحرف يتطلب قدرة علميّة وشموليّة فكريّة من أجل تأصيل هذا الفكر وتخليصه من التأثيرات الأجنبية المغرضة . وهو مقصد ديني وفكري كان في صميم الفكر الواعي الأصيل للمسلمين ، وإذا دلّ ذلك على صراع مذهبي فكري بين حكمة الإسلام وقضاياه والتيارات الغازية مهما حاولت التوفيق والاقتراب فإنه يؤكد على عظم المسؤولية والأمانة التي يحملها العلماء المخلصون في كل جيل ولكن بالأسلوب المقنع والدليل الساطع والحجة الدامغة . إلى جانب ضرورة إبراز القيم الحكيمة القرآنية في سموها ورفعتها وربانيتها حتى تقدّم للفكر الإنساني مستقلة أصيلة نابعة من المصادر الإسلامية القادرة على تزييف الفلسفة الوضعية ومذاهبها المتعارضة والمتأرجحة والمنبعثة من المزاجات والأهواء أكثر مما هي منبعثة عن الفكر المجرد والمذهبية الخالصة ، وبخاصة المذاهب الفلسفية المعاصرة وما تحمل من وجوديات وسلبيات مفترضة لا تلبث أن تظهر عجزها بعد قليل .
--> ( 1 ) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون : حاجي خليفة . مادة : حكمة .