نذير حمدان
38
حكمة القرآن والحضارة
الحكمة الإسلامية والفلسفة الإسلامية وبالتعبير الدقيق نقول : حكمة المسلمين وفلسفتهم ، لما يمكن أن تتدخل الآراء الخاصة ، والتأثرات الثقافية الخارجية في بيان الحكمة والفلسفة المسلمتين . ونتناول الفروق بينهما من ثلاث نواح : الجانب العقلي والجانب الإلهي : إذا كان بعض الفلاسفة يرون أن الفلسفة تبحث في أسرار الوجود ودقائق الإلهيات ، وأصول الطبيعيات ، والأشياء وأسبابها ، وتبرز الغاية الخلقية والروحية لتصل إلى السعادة فإن كثيرا من الحكماء يرون أن الحكمة - وهي أصل الفلسفة الأقدم - تتساوى مع الفلسفة في هذه المجالات الفكرية والعملية والخلقية والروحية ، وتزيد عليها اهتماما متعاظما بالجانب العملي الحكيم . بيد أنّ الحكيم المسلم يقدّم الاعتماد على الوحي والرجوع إليه ، أو يوفق بين فروعه يحاول أن يكون حكيما وألّا يكون فيلسوفا ، وأن الفيلسوف الذي يقتصر على العقل في التفريق بين الحق والباطل ، ويتخذ منهج الفلاسفة اليونان في الاستدلال ، ويتبنى منطقهم ومقولاتهم ويتجاوز في ذلك المحسوس إلى ما وراء المحسوس يحاول أن يكون فيلسوفا قبل أن يكون حكيما ، وبمقدار ما يعتمد الحكيم على الشريعة باعتبارها مصدر الحكمة وغايتها فإنه القادر على امتلاك شطحات الفلاسفة يمكنه أن يتفيأ ظلال العقل وفعاليته في حدوده المرسومة وقدراته في تناول قضايا الألوهية والطبيعية مهما امتدّت آفاق العقل وتعمّق في القضايا الفكرية . فالأساس العقلاني الشخصاني يميز الفيلسوف بالاعتماد على القوة المدركة فوق طاقتها ، وما وراء حدودها ، عن الحكيم الذي لا يرفض أهمية العقل رديفا وتوفيقا وتناولا . وإذا فإنّ الحكمة الإسلامية يغلب عليها الجانب الإلهي ، وإن تحدّث الحكماء طويلا عن استخدام التفكير ، وأن الفلسفة الإسلامية يغلب عليها الجانب العقلي وإن تحدث الفلاسفة طويلا في الإلهيات ولكن من المنحى العقلي ومن غير جدوى ولا طائل .