نذير حمدان

39

حكمة القرآن والحضارة

إن مصدر المعرفة في الفلسفة عموما وما يسمى بالفلسفة الإسلامية ، العقل وحده أو العقل مطواعا للنصّ الشرعي المؤول ، وكذلك فإن طريقة تناول المسائل والقضايا هو تناول عقلي وبطريقة عقلية وبمصطلحات فلسفية عقلية ، بينما مصدر المعرفة في الحكمة الإسلامية هو الوحي كما أشرت ، وإن طريقة تناول مسائلها وقضاياها هو تناول نصّي شرعي ، وأحيانا بأساس ودعامات عقلية خاضعة للوحي نصّا وروحا ، وهذا يعني أن التفكير الفلسفي يغلب عليه المصدرية الإغريقية وإن طعّم بعضها بتنظير إسلامي ، وأن التفكير الديني الإسلامي تؤسس به مسائله ، ويحيطها بأطره ويقدّمها بأسلوب شرعي عقلي معا ، أما التفكير التوفيقي وأحيانا التلفيقي فهو يجعل النص خادما للعقل في الغالب كما يجعل الحكمة الإسلامية في ركاب الفلسفة العامة مما يصعب أن يخلص إلى تصنيف ذاتي فلسفي أو إسلامي ، وقلّما يتجه بعض المفكرين إلى صميم الآيات القرآنية ويصنفون موضوعاتها ضمن المسائل الفلسفية ومصطلحاتها وطرقها ومعالجاتها ، وربما أوحوا لبعض الناس وبحسن نيّة أن القرآن كتاب فلسفة من نوع خاص ، وهو منها براء . . . . وعلى هذا فإن الحكمة منقية العلماء سواء جمعوا إليها الفلسفة أم اقتصروا عليها وأن الفلسفة منقصة الحكماء ما داموا ينأون بها عن نصوص الشريعة وروحها . ومن هنا فإن تصنيف المفكرين إلى حكماء وفلاسفة على ما بينهما من تداخل وتشابك فإن معظمهم كان يفضّل الحكمة على الفلسفة مثل ما كان الواحد منهم يفضّل أن يدعى بالحكيم بدل الفيلسوف ، ففي التراث مؤلفات عن الحكماء في الإسلام . وعن الفلاسفة في غير الإسلام . وصنفوا في الأولى رجال الحكمة المسلمين وغيرهم ممن عاشوا في العالم الإسلامي وتأثروا بثقافته الإسلامية ، وصنفوا في الثانية رجال الفلسفة اليونان والهند خاصة وتتبعوا آراءهم الفلسفية التي تأثّر بها كثير من الحكماء المسلمين بعد الإقبال على مصنفاتهم وترجمات كتبهم « 1 » .

--> ( 1 ) من ذلك : - طبقات الأطباء والحكماء : لابن جلجل ( ت 377 ه )