نذير حمدان
294
حكمة القرآن والحضارة
آيات اقترنت الأولى بالكتاب والحكم بمعنى الحكمة ( آل عمران 79 ) ومثلها في الآية الثانية تماما ( الأنعام 89 ) واقترنت الثالثة بالكتاب وحده باعتبار أن النبوة هبة لذرية إسحاق ويعقوب ( العنكبوت 29 ) . فالأنبياء أبناء علات واحدة والرسول هو اللبنة الأخيرة التي أكمل اللّه بها البنيان كما جاء في الأحاديث الصحيحة . إن وحدة المذهب القرآني لا تمنع أبدا من تعدد الشرائع ، في الحضارة القرآنية فإنه تنوع ينال الرضى والقبول ويضع التعددية في مكانها اللائق الذي لا يعني ( التعارض ) في المذهبية الواحدة وإنما يعني التكامل فيما بينها والإيمان بها واعتبارها من مصدرها الإلهي الواحد إنها وحدة تتضمن تنوعات وتعددات . 2 - الواقعية الفاضلة : فلم يعش الأنبياء في مثل خيالية وأبراج عاجية ، ولا في مدن ( فاضلة ) مثل ما صورها الفلاسفة في شطحات خيالاتهم أو ربما في طموحاتهم وآمالهم ولكن كما قال القرآن عن عيسى وأمه مثلا وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ( المائدة 75 ) وقوم ( عاد ) الذين كانوا يأنفون من رسالة هود لهم بسبب واقعيته وأنه كان يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( المؤمنون 33 ) ، فالإيمان فطرة النفوس والتوحيد من دواعي العقول السليمة وهما أول الدين الواقعي ، وتحرر المجتمعات من المفاسد وإرساء الفضائل السامية والممكنة معا من الواقعية الصالحة . ونقل المجتمع من الجاهلية إلى الإسلام ومن البداوة الفكرية والأمية الحضارية إلى السمو الفكري والغنى الحضاري مما يتعايش فيه الناس استجابة لفطرهم وتحسنا لواقعهم وإصلاحا لحياتهم ، وعموما فإن ألصق شيء بالواقعية الصالحة هو التذكير والتأكيد دوما على بشرية الأنبياء في طرفيها الكبيرين : الحياة والموت وأعراضهما التي كانوا يعانونها هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ( الإسراء 93 ) فهي بشرية فاضلة تدل على واقعية صالحة . وإن إعلان ( شعيب ) عليه السلام عن الغاية من نبوته بالإصلاح ما هو إلّا نموذج لغايات الأنبياء جميعا ( هود 88 ) ، حتى إن ( إصلاح الأعمال ) غاية الإيمان والتقوى التي يطلبها اللّه من المسلمين ( الأحزاب 69 ، 70 ) . وليس من الواقعية ما تدعيه الرواقية أن ( من هو غير حكيم فهو مجنون ) فإن الناس متفاوتون في القوى المعنوية والمادية والعالم لا يحتضن الفلاسفة وحدهم وإنما يعج بمختلف الناس ومختلف القدرات ،