نذير حمدان

286

حكمة القرآن والحضارة

ادع إلى التعاليم بالتعاليم . . . . وهذا على خلاف المراد في التنزيل المكي خاصة حيث إن المطلوب من الرسول البيان الحكيم والموعظة الحسنة ليتم الإقلاع عن العادات والعقائد الجاهلية بالقناعة والرضا . وكذلك فإن آية ( القمر 5 ) وهي حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ تحذير قوي للعرب من مغبّة الاستمرار على الضلال الديني والفساد الاجتماعي ، بما وقع للأمم المجاورة التي هي خير ( مزدجر ) لهم ، وأفضل عبرة لحياتهم . فصلة الحكمة بالتعاليم بعيدة حسب سياقها في السورة لأن ما قبلها وما بعدها ينبه إلى حكمة التاريخ وعبره ودروسه . وبقي أن نشير إلى أنه ذكر فيما بعد في ( التفسير المدني للحكمة ) سورة ( سبأ 2 ) مع أنها مكية ولا توجد فيها لفظ الحكمة أصلا كما أشار إلى ذلك المعلق . أضف إلى ذلك أنه لم يعلّق ( هيوار ) بشيء على لفظ ( الحكمة ) في سور مكية أخرى مثل ( الزخرف 63 ) ، فلم تستوف المادة من جميع سورها وآياتها المكية . 3 - التفسير المدني للحكمة : وهو وإن لم يصرح ب ( المدني ) إلّا أنه أشار إليه بعد أن ذكر التفسير المكي بقوله : ثم استعمل مرادفا للكتاب المنزل . . . . وساق معه السور المدنية الموجودة فيها . وإذ إنه لا يقصد الدلالة المكية السابقة وجمع لذلك سورا مدنية ومكية وخلط بينها كما سبقت الإشارة إليه فإنه يفهم من قوله الكتاب المنزل أنه غير القرآن وغير الكتب مثل الإنجيل - التوراة كما سيأتي ، ومن خلال ذلك يمكن إيضاح ما يلي : أ - الحكمة مرادفة للكتاب المنزل في ( آل عمران 48 ، 81 ، 164 ) . . . وهذا ليس دقيقا في آيات وليس صحيحا في آيات أخرى ، وفي ذلك تفصيل : - إن آية ( آل عمران 48 ) تتحدث عن عيسى عليه السلام الذي يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ولا علاقة لها بالقرآن وهو زيادة عن التوراة والإنجيل . وكذلك ( آية 81 ) فإنها تتحدث عن الأنبياء وكتبهم وميثاق اللّه لهم لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ، وأما ( آية 164 ) فهي خاصة بالرسول وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وليس جزما أن تكون مرادفا للكتاب فيحتمل وهو الأرجح أن اللّه علّمه السنّة أو شيئا آخر مع تعليمه الكتاب كما أشار إلى ذلك كثير من المفسرين .