نذير حمدان
285
حكمة القرآن والحضارة
1 - الأصل اللغوي : فهو متقارب بين العبرية والسريانية والعربية مما يعني قدم ( الحكمة ) في العربية واقتباس اللغات الأخرى منها باعتبارها أصل الآرامية كما ثبت في الدراسات الحديثة ، حيث أن الجزيرة العربية أو أطرافها كانت الموطن الأصليّ للخليقة الأولى ، وأن ( عرب ) و ( عبر ) أصل السامية التي ( عبرت ) موجاتها منها وإليها ، وأن لسانها أقدم اللغات واللهجات بما فيها العبرية والسريانية ، وإن قصد كاتب المادة العكس تماما . ونحن لا يعنينا من الخلاف اللغوي الأصلي سوى أن ( الحكمة ) لفظ عربي كان متداولا في الأدب الجاهلي وشائع الاستعمال في الأشخاص والشعراء كما سبق . واستخدمه القرآن والحديث كثيرا بعد أن نقله من دلالته المادية من حكمة الدابة الأصلي . وعروبة هذا اللفظ لا تتأثر بالتأثرات اللغوية الأخرى حتى وإن كان ( مستعربا ) أو لاحقا لأصل سابق ، فإن استخدام القرآن والحديث له بمثل هذا الحجم والتوسع الكبير في دلالاته مع تنوع تعلقاته باللّه والرسل والكتاب والأشخاص العاديين من ناحية وتعلقه بقيم الرسالات ومضامين القرآن خاصة وبالانتاج المعرفي العام يجعل منه لفظة قرآنية حديثية بالاستخدام والأصل معا . ويؤكد هذا أنه وجد في آثار عربية عريقة . وقد اعتاد بعض المستشرقين أن يلحقوا العربية بالعبرية والسريانية وغيرها ، ويربطوا ألفاظ القرآن الهامة بها مثل الصوم والصلاة والحج والرحمن والشريعة . . . . . ليثبتوا شبهة تبعية القرآن بالكتب السماوية السابقة واقتباس الإسلام من الأديان قبله وإن ابتعدوا عن المنهجية والموضوعية متأثرين برواسب كنسية أو تلمودية زائفة . ويذكر ( هيوار ) الحكمة في القرآن ويفسرها من ثلاثة جوانب : التفسير المكي ، والمدني والأصلي ، بالإضافة إلى تأثر الصوفية بها . 2 - التفسير المكي للحكمة : فالمستشرق ( هيوار ) يرى أن هذا اللفظ ( الحكمة ) أطلق على تعاليم الرسول صلى اللّه عليه وسلم في سورتين مكيتين : ( النحل 125 ) و ( القمر 5 ) ، ومع أنه لم يذكر ماهية هذه التعاليم ، ومع أنه نسبها للرسول نسبة مشكوكة ولم ينسبها للّه تعالى ، فإن آية النحل تبيّن ( أسلوب ) الدعوة أكثر مما تبين ( التعاليم ) كما أشار إلى ذلك كثير من المفسرين ، فهي توضح هذا الأسلوب بأنه ينبغي أن يكون حكيما وواعظا حسنا فهي ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ( النحل 125 ) وإلّا فيكون المعنى بنظر ( هيوار ) :