نذير حمدان

280

حكمة القرآن والحضارة

الحكمة سبيل إلى الحكمة ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ( النحل 125 ) فإذا تحقق في الحكمة الفضيلة الخلقية والفكرية كقيمة ذاتية فإنها أيضا فضيلة منهجية وأسلوبية تتجلى في العرض الحسن والأداء الحكيم ، وقد يفضل الأداء والعرض على الأصل والجوهر ، فإن تزيين الفضيلة وتجميل عرضها مما يجلب لها الأنظار ، وتنبه لفوائدها العقول وتلفت لمحاسنها القلوب وبخاصة أولئك الذين تعجبهم الزينة ويتأثرون بالجمالية وهم الأغلب في فطر الناس الذي يسرّون بالعروض الجميلة . وهذا ما كان عليه القرآن مضمونا ومنهجا وأسلوبا . وإذا كان تزيين الشرّ إطارا وعرضه بالأسلوب الجذاب رواجا له وإن كلّف صاحبه المال والشباب والوقت ، واقتضى دعما مشبوها لسعة انتشاره ، فما بالك بالحق إذا عرض بالحكمة والموعظة الحسنة والتزيين المناسب ، وهذا ينبه إلى مسؤولية الدعاة الذين يريدون بحق وإخلاص الإصلاح والتغيير ، فهناك جمال الحق والخير ، وجمال العرض والأسلوب والدعوة التي تتطلب وسائل علمية وقدرات وهبية ، إنها بحاجة إلى الاطلاع على علم النفس والاجتماع والأخلاق ودراسة التيارات والمذاهب الفكرية القديمة والمعاصرة إلى جانب التزام الداعي بصفات الداعية الموفق العامة ، فهي إذا دعوة مطلوبة مأمور بها معمقة تأثيرية حسب مقتضى الحال ، ملونة بأساليب مجدية تتعرف في أغوار النفس البشرية على اختلاف طبائعها وخصائصها ومعارفها . وهي بفرديتها وجماعيتها ورسميتها وشعبيتها من مهمات الدولة والأفراد والمؤسسات أكثر من أنها حرفة أو وظيفة دينية خاصة ، ومن نافلة القول : أن الدعوة لا تقتصر على البيان الحكيم الذي قدم له القرآن بقوله ( ادع ) فإنها تشمل القدوة الفاضلة والريادة الحسنة والفعل المعتدل الملائم مستفيدا من الإنجازات العلمية المادية والجمالية النافعة . وسأعرض لثلاثة مواقف لعلماء تنوعت مواهبهم وتلونت معارفهم حول الآية السابقة : الزمخشري ، والغزالي ، والرازي . الذين اتفقت بينهم النظرات الواقعية في تلوين الدعوة وفقهها .