نذير حمدان

281

حكمة القرآن والحضارة

- فالزمخشري في تفسيره يذكر وسائل فكرية عديدة في الدعوة الحكيمة مثل : المقالة المحكمة ، والمناصحة الحكيمة ، وقصد النفع ، والدعوة إلى القرآن بالقرآن ، إلى جانب توصيف الطريقة بالرفق واللين . . . . يقول : ( إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ ) إلى الإسلام ( بالحكمة ) بالمقالة المحكمة الصحيحة وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة ( وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) وهي التي لا يخفى عليك أنك تناصحهم وتقصد ما ينفعهم فيها ، ويجوز أن يريد : القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة . وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف . - والغزالي يرسم صورة متكاملة عن المنهج العملي للدعوة أو منهجه العملي في الدعوة حيث يصرح بقوله : أدعو ، ألّا أتعصب أرفق ، أجادل . . . . وبينما يؤكد على ضرورة تناسب الدعوة لمختلف الناس لئلا تنقلب المنافع إلى أضرار ، وتنعكس الفوائد إلى مثالب فإنه يهتم بالطباع والنفسيات أكثر من اهتمامه بالثقافة والتحصيل ، إلى جانب اعتبار المجادلين صنفا يمكن دعوتهم مع سائر الأصناف ، وأما البله وهم جميع العوام ، وهم الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق ، فأدعو هؤلاء إلى اللّه بالموعظة ، كما أدعو أهل البصيرة بالحكمة وأدعو أهل الشغب بالمجادلة ، وقد جمع اللّه سبحانه وتعالى هذه الثلاثة في آية واحدة حيث قال ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . فعلم أن المدعو إلى اللّه بالحكمة قوم ، وبالموعظة قوم ، وبالمجادلة قوم ، فإن الحكمة إن غذي بها أهل الموعظة أضرت بهم ، كما تضرّ بالطفل الرضيع التغذية بلحم الطير . وإن المجادلة إن استعملت مع أهل الحكمة اشمأزوا منها كما يشمئز طبع الرجل القوي من الارتضاع بلبن الآدمي . وإن من استعمل الجدال مع أهل الجدال ، لا بالطريق الأحسن ، كما تعلم من القرآن ، كان كمن غذى البدوي بخبز البر ، وهو لم يألف إلّا التمر ، أو البلدي بالتمر وهو لم يألف إلّا البرّ .