نذير حمدان

277

حكمة القرآن والحضارة

القلوب ولكن فَما تُغْنِ النُّذُرُ . وإذ إنها حكمة المصير فإنها تنبّه إلى وجهها المشرق وجانبها الجميل الوضيء . إنه مصير المتقين في الظلال والأنهار وفي مكان شريف كريم فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ . إن من يعتبر بالمستقبل الدائم بعد أن أفاد من الماضي القريب والبعيد فقد تمسك بالحكمة البالغة التي تدل على قيم إنسانية رفيعة في الإفادة من القوى الإنسانية عبر التاريخ . وأما حكمة المعجزات والحقائق الكونية فقد قدم اللّه القول فيها من أول السورة وهي في حقيقتها إنذارات وعبر لا بدّ للعقلاء من الانتفاع بها ، وبخاصة ما وقع من انشقاق القمر فلقتين ، الحادثة التي تواترت الأخبار الصحيحة على وقوعها وصدّقها الرصد الفلكي الحديث وهي حادثة كونية عجيبة مفزعة كانت في مرأى المؤمنين والكافرين حينذاك . وهي إلى أنها خارقة للنواميس النظامية الظاهرة فإنها من النواميس الكونية الخفية التي أكرم اللّه بها رسوله لترهب المعاندين في كل آن . وإذا أحكم اللّه نظام الكون بالحكمة الإلهية والتقدير المتقن فإن المعجزات نظام إلهي آخر وقانون رباني يسخرها مبدع النظام ومقدر القانون في كلتا الحالتين . وهذا التقدير العام والخاص هو الذي أعلنه اللّه في السورة نفسها إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فإن من الحكمة البالغة الكشف عن أسرار الخلق وإبداع النظام والتقدير المحكم لخلق الإنسان والكون وفق القدرة والحكمة الإلهيين . فقد ( استقرت ) الأمور ، وثبتت الأحوال ضمن النظام الرباني البعيد عن أهواء الجحود ومزاجات أصحابه . وسواء بدأ الكون في فوضى هائلة كما تقول بعض النظريات أو لم يبدأ بذلك فإن استقرار الأمور فيما بعد وثبات الأوضاع ( ظاهرة ) الخلق السماوي والأرضي والإنساني ، الفلكية والرياضية والفيزيائية . فاقتراب الساعة وانشقاق القمر ورؤية آيات اللّه في الطبيعة والكون والإنسان عبر تاريخ الطبيعة والكون والإنسان حكمة بالغة لا ينبغي أن تقابل بالعناد الدائم والنفور الشديد والاستبشاع المرّ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ . - يقول الرازي : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ إشارة إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد ، فأخبرهم الرسول باقتراب الساعة وأقام الدليل على صدقه وإمكان قيام