نذير حمدان
278
حكمة القرآن والحضارة
الساعة عقيب دعواه بانشقاق القمر الذي هو آية لأن من يكذب بها لا يصدق بشيء من الآيات فكذبوا بها واتبعوا الأباطيل الذاهبة ، وذكروا الأقاويل الكاذبة فذكر لهم أنباء المهلكين بالآيتين تخويفا لهم . وهذا هو الترتيب الحكمي ولهذا قال بعد الآيات : حكمة بالغة . ثم يتابع القول في أحد وجوه التفسير : هذا الترتيب الذي في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بما مضى من القرون وانقضى حكمة بالغة . . . بينما أبرز ابن كثير عدم إغناء النذر لمن طبع اللّه على قلبه حيث قال : لَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ من الأخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل وما حلّ بهم من العقاب والنكال والعذاب مما يتلى عليهم في هذا القرآن ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذب . و ( حكمة بالغة ) في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله فَما تُغْنِ النُّذُرُ أي شيء تغني النذر عمن كتب اللّه عليه الشقاوة وختم على قلبه ؟ فمن ذا الذي يهديه ؟ ويجمع ( القاسمي ) بين التاريخ والحقائق الكونية فيقول : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ أي عن القرون الخالية والحقائق الكونية مما يستحيل أن يأتي به أميّ غيره ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ أي مرتدع عما هم مقيمون عليه من التكذيب والغفلة واللهو ، ( حكمة بالغة ) أي بلغت غايتها من الإحكام والتنزه عن الخلل ، ومن الاشتمال على البراهين القاطعة والحجج الساطعة « 1 » . ولكن أليست حكمة تستوعب أنواع ( الحكم ) للنبوات خاصة والتاريخ عامة ، ومن ثم تستوعب حكم الإنذارات التي كان من المفروض أن يكون فيها ( مزدجر ) للمعاندين إذ هي كمال الحكمة الإنذارية التي عاقب اللّه بها أعتى الحضارات السالفة ؟ وإذا إنها لا تقتصر على أقوام الأنبياء وإنما تشمل سائر البشر الذين قدّم اللّه لنا نماذج منهم وفي صراع الحق والباطل وتحديات الشر أمام الخير فإنها وبانقطاعها اللفظي عما سبقها حكمة تامة كاملة لا نقص فيها من حيث جوهرها ولا نقص فيها من حيث مظاهرها وآثارها .
--> ( 1 ) انظر علاقة الآية : حكمة بالغة . . ب ( ما تغني ) النافية أو الاستفهامية في كتب التفسير .