نذير حمدان
268
حكمة القرآن والحضارة
الدوران هو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف ويرتفع بارتفاعه في صورة واحدة كالتحريم مع السكر في العصير ، فإنه لما لم يكن مسكرا لم يكن حراما ، فلما حدث السكر وجدت الحرمة ثم لما زال السكر بصيرورته خلا زال التحريم فدل على أن العلة السكر . - العلة معنى خاص والحكمة معنى أو مفهوم خاص وعام ، ولذا فإن الحكمة أشمل من العلة فهي تعمّ ، التشريع والطبيعيات والكونيات والإنسانيات في حكمة النظام والتنسيق تدل على الحكمة الإلهية في الصنع والتدبير ، فالحكمة العامة من حكيم خبير . - العلة مرتبطة بالاجتهاد في معرفة الفرع والأصل والوصف المناسب لهما ، وهذا يعني ارتباطهما بالقياس والقائس ، بينما الحكمة مرتبطة بمشروعية المصالح وبضرورات الأشياء والحاجيات والتحسينات عموما سواء كانت في الأمور التفصيلية المعاشية أو كانت في المقاصد العامة الشاملة . - العلة سبب في الحكم وأمارة فيه فلا يدرك الحكم حلا أو حرمة ، وجوبا أو كراهة إلّا بمعرفة علته ظاهرة كانت أو مضمرة ، وبناء على هذه المعرفة لا بدّ من القيام بمقتضى العلة إيجابا أو سلبا ، بينما تتبع الحكمة مقصد الحكم الذي قصد إلى تشريعه علمت الحكمة أو لم تعلم ، وغاية المشرع منه بناء على المصلحة أو درء المفسدة . - ويستأنس في التفريق بينهما عن طريق السؤال فيقال جوابا للعلة لما ذا ؟ أو ما العلة أو ما السبب ؟ ويسأل عن جواب الحكمة : ما الغاية ؟ ما المقصد ؟ ما الحكمة . . . مع أنه قد تختلط التساؤلات وإجاباتها أحيانا . يقول شاكر الحنبلي أيضا « 1 » . . . . فيكون الفرق بين حكمة الحكم وعلته أن الأولى هي السبب الموجب للتشريع ، والغاية المقصودة منه لما تضمنت من المنفعة التي قصد إليها الشارع ، وأن الثانية أي العلة هي الأمر الظاهر المنضبط الذي بنى حكم الأصل عليه ، وربط به وجودا وعدما ، مثال ذلك أن حكمة قصر الصلاة الرباعية للمسافر التخفيف ، لأن السفر مظنة المشقة وهي أمر تقديري غير منضبط لا يصح بناء الحكم عليه وجودا وعدما ، ولذلك لم يرخص للحمّال المشقوق عليه في الحضر بقصر الصلاة وإن ظهر أن مشقته تزيد على
--> ( 1 ) في كتابه : أصول الفقه الإسلامي 306 .