نذير حمدان
269
حكمة القرآن والحضارة
مشقة المسافر ، وأبيح للمسافر أن يفطر لوجود علة الإباحة وهي السفر ولو كان مرفّها لا يجد في سفره مشقة ، لأن المشقة أمر لا ينضبط ويؤدي إلى الاضطراب ، فاعتبر السفر علة للحكم ولم تعتبر المشقة لأن السفر أمر ظاهر منضبط ، وفي اعتباره علة للحكم مظنة تحقيق حكمته بالنظر لاقترانه غالبا بالمشقة والتعب . . . فالحكم الشرعي يوجد حيث توجد علته ولو لم تظهر حكمته ، وينتفي حيث تنتفي علته ، ولو وجدت حكمته ، لأن الحكمة تخفى في بعض الأحكام ، ولا يمكن ضبطها في البعض الآخر ، فلا يصح أن تتخذ دليلا على وجود الحكم أو عدمه . وخلاصة البحث أن الأحكام الشرعية تدور وجودا وعدما مع عللها لا مع حكمتها . وقد تكون الفروق ملغاة : فإن مسائل قرآنية كثيرة صرح بحكمتها فقط ولكنها بالتأمل تشمل على علتها التي استنبطها الفقهاء والأصوليون . ومع هذه الفروق الدقيقة فكثيرا ما تمتزج العلة بالحكمة أو تساق متضمنة حكمتها ، أو تبرز الحكمة بصراحة العلة حتى يصعب التفريق والتمييز بينهما كما أشرت . فقد قالوا : إن العلة في تحريم الخمر الإسكار المتضمن بيان اللّه بالإضرار الاجتماعية والدينية الصريحة ( المائدة 91 ) ، وترددت أقوال العلماء في علة تحريم الربا : النقدية أو المطعومية ، أو الكيلية . . . . الشامل معنيين صرحا بحكمة التحريم وهما : وجود الظلم والطغيان من المرابين والمستغلين ، وتراكم الأموال الربوية لإضعافها ومضاعفاتها ، وعندئذ فلا يحل لهم في المعنى الأول إلّا أخذ رؤوس أموالهم لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ( البقرة 279 ) . وهذا متعلق بالتعامل الربوي أصلا حيث إنهم قاسوا الربا على البيع قياسا فاسدا ( البقرة 275 ) . ومن غير شك فإن هذا يؤدي إلى الإثراء الفاحش المحرم ، وقد أشار القرآن إليه بلفظتين الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا فهم على دوام أكله ، وقوله بعدها . . الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ( البقرة 275 ) وهي حالة مرضية مزمنة وعنيفة تغلب على أولئك المرابين الذين يوزعون أموالهم على الناس ويطلبون عليها أضعافا مضاعفة وبخاصة حين تنقص أو تقل عما لهثوا به من أطماعهم وشراهة نفوسهم . والمعنى الثاني : إرساء القاعدة الاجتماعية الاقتصادية المعتدلة وهو مرتبط بالأول حيث إن اللهث على استحواذ المال طمعا واستغلالا لا بدّ أن يؤول إلى تضخيم رؤوس أموال فئة