نذير حمدان

267

حكمة القرآن والحضارة

كما كان حصول النصاب سببا في وجوب الزكاة ، والزوال في وجوب الصلاة . . . . وأما العلة فالمراد بها الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر ، أو الإباحة ، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي ، فالمشقة علة في إباحة القصر والفطر في السفر ، والسفر هو السبب الموضوع سببا للإباحة . . . . على أنه قد يطلق هنا السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما . إن الشاطبي إذ يسوّي بين الحكمة والسبب فإنه يبرز المصالح البشرية في التشريع الديني والدنيوي وإن تعددت الأسباب والحكم باستلهامات الباحثين والمجتهدين ، وهذا لا يوجب استمرار السببية أو الحكمية في جميع الأحكام والمسائل ، فقد يتخلفان في بعضها ، وعندئذ لا تتجرد منهما . فالكليات الثلاث ( الحاجية والضرورية والتحسينية ) إذا كانت قد شرعت للمصالح الخاصة بها فلا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات ولذلك أمثلة : أما في الضروريات فإن العقوبات مشروعة للازدجار مع أنّا نجد من يعاقب فلا يزدجر عما عوقب عليه ، وأما في الحاجيات فكالقصر في السفر ، مشروع للتخفيف وللحوق المشقة ، والملك المترفه لا مشقة له ، والقصر في حقه مشروع ، والقرض أجيز للرفق بالمحتاج مع أنه جائز أيضا في عدم الحاجة . وأما في التحسينات فإن الطهارة شرعت للنظافة على الجملة مع أن بعضها على خلاف النظافة كالتيمم . فكل هذا غير قادح في أصل المشروعية لأن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليا « 1 » . ومقاصد الشارع في بث المصالح في التشريع أن تكون مطلقة عامة ، لا تختص بباب دون باب ولا بمحل دون محل « 1 » . . . . . فروق بين العلة والحكمة إن اقتراب الحكمة من العلة وأحيانا تماثلهما كما سبق وسيأتي نماذج منه لا يلغي فروقا يمكن ملاحظتها وتأملها ، ومنها : - العلة لا تتخلف والحكمة قد تتخلّف ، وهذا ما عبروا عنه بالدوران . قال الشوكاني « 3 » :

--> ( 1 ) الموافقات السابق 2 / 53 ، 54 يقول الشارح : لا يخفى عليك أنه يستعمل كلمة ( العلة ) في كتابه بمعنى الحكمة . وأقول : سبق تعليل الفقهاء بالسفر علة للإفطار . ( 3 ) في : إرشاد الفحول ص 221 السابق .