نذير حمدان
264
حكمة القرآن والحضارة
- ومن شروطها أن تكون وصفا ضابطا بأن يكون تأخيرها لحكمة مقصودة للشارع لا حكمة مجردة لخفائها فلا يظهر إلحاق غيرها بها « 1 » . - فمن أسمائها أيضا : المناسبة ويعبر عنها بالإخالة وبالمصلحة وبالاستدلال وبرعاية المقاصد . . . . ومعنى المناسبة : هي تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة مع السلامة عن القوادح لا بنص ولا غيره ، ومن معانيها : الملاءمة لأفعال العقلاء في العادات فإنه يقال : هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة في الجمع بينهما في سلك واحد متلائم . واحتج إمام الحرمين على إفادتها للعلية بتمسك الصحابة بها فإنهم يلحقون غير المنصوص بالمنصوص إذا غلب على ظنهم أنه يضاهيه بالمعنى أو يشبهه « 2 » . ونقل الآمدي تعريف ( المناسب ) الذي يمكن أن توصف به الحكمة والعلة معا « 3 » . . قال أبو زيد : المناسب عبارة عما لو عرض على العقول تلقته بالقبول . وعدله الآمدي بقوله : المناسب : عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم ، وسواء كان الحكم نفيا أو إثباتا ، وسواء كان ذلك المقصود جلب مصلحة أو دفع مفسدة « 3 » . ومنها رعاية المقاصد والمصالح : فقد شرع الحلال والحرام لمصلحة الناس ودرء المفاسد عنهم وهي مصالح بدنية واجتماعية وأسرية . فالمقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة ، أو دفع مضرة ، أو مجموع الأمرين بالنسبة إلى العبد لتعالي الرب تعالى عن الضرر والانتفاع ، وربما كان ذلك مقصودا للعبد لأنه ملائم له ، وموافق لنفسه ، ولذلك إذا خيّر العاقل بين وجود ذلك وعدمه اختار وجوده على عدمه ، وإذا عرف أن المقصود من شرع الحكم إنما هو تحصيل المصلحة أو دفع المضرة ، فذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة .
--> ( 1 ) الشوكاني السابق ص 207 وص 219 وذكر فيه ( 24 ) شرطا للعلة . ( 2 ) الشوكاني السابق ص 207 . ( 3 ) الآمدي : الإحكام في أصول الأحكام 3 / 46 .