نذير حمدان
250
حكمة القرآن والحضارة
أولا : لام التعليل الفعلية : وهي التي تأتي قبل الفعل فتفيده السببية والتعليل في مواضع كثيرة ، وفي مقدمتها : الدلالة على قدم العبادة والنسك ، وارتفاعها بذكر اللّه عبر التاريخ السحيق ، مثل ( ليذكروا ) ( الحج 34 ) . وأخطرها تعليل الخلق والإيجاد بالعبودية الخالصة للّه التي تعني الحرية والنظام والنشاطات العملية النافعة ( ليعبدون ) ( الذاريات 56 ) أي من أجل العبادة ، فإذا لم تتحقق هذه العبودية فكرا وعملا فلا مبرر لهذا الخلق . والقرآن هو الذي يرشد إلى صحة هذه العبودية وأحقيتها وما على المسلمين إلّا أن يدبّروا آياته ويتخلّقوا بآدابه فهو الكتاب المنزل وحيا من عند اللّه وذكرى لأولي الألباب ( ليدّبّروا ) و ( ليتذكّروا ) ( ص 29 ) ، قال الحسن البصري : واللّه ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده ، حتى إن أحدهم ليقول : قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل ( كما نقله ابن كثير ) وتبسط ( اللام ) جناحيها في مواقع أخرى منها : العالمية وهي من أروع الحكم والتعليلات في علاقات الناس والأمم بعضهم ببعض ، أو ينبغي أن تتحقق بأعظم قاعدة عملية أخلاقية هي ( التعارف ) في قوله ( لتعارفوا ) ومسئولياته ( الحجرات 13 ) ، ومنها الكونية حيث جعلها في بسط الأرض للنقل المريح لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً ( نوح 20 ) ، ومنها : الإلهية تتعلق بعلم اللّه وحده بالغيب الذي قد يطلع بعض رسله على بعضه ، وحفظا للوحي الإلهي من أن يتسرب إليه دخيل ( المزمل 28 ) ( ليستيقن ) المؤمنون بأن الملائكة قد بلّغوا الرسول وحي اللّه فيزدادون إيمانا ويرتاب الكافرون والمنافقون ( المدثر 31 ) ويتجاوزها إلى إعلاء الحق وإبطال الباطل في جميع الأمور ( ليحقّ الحقّ ) ( الأنفال 8 ) مع الإصلاح الديني والاجتماعي والحكمي في بعثة الأنبياء وإنزال الكتب السماوية مهم بالحق ( ليحكم ) به كل منهم ( البقرة 213 ) ، ويتبع ذلك مصائر الأقوام الدنيوية في تدمير الحضارات وإهلاك أهلها بسبب ضلالهم ، وأخذ العبرة والعظات منهم لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً ( الحاقّة 11 ، 12 ) و ( نوح 18 ) ، ومنها ما يتصل بالسيرة النبوية باعتبارها النموذج الممثّل للقرآن والقدوة العملية للناس المشاركة وجدانيا وعمليا لحياتهم ومعاناتهم ، والمستوعبة لهمومهم ومشاكلهم في كثير من الآيات والسور وبخاصة سورة ( الفتح ) كما تقدم والتي ضمت حوالي ( 15 ) موضعا معللا ، موزعة على الرسول وعلى المؤمنين في صلح الحديبية وبصورة خاصة إظهار شريعة الإسلام على