نذير حمدان

249

حكمة القرآن والحضارة

إلى جانب آيتي المداينة وما بعدهما ( البقرة 282 - 283 ) ، وأصرحها جميعا عمومية الحكمة للناس جميعا ، وهبتها من اللّه لهم ، وخيرها الكثير عليهم ( البقرة 269 ) ولكن تكاد سورة النساء ثم التوبة تستأثر بفاءات السببية في معظم آياتها التي تدل على الأحكام والقصص أكثر من السور الأخرى ، خذ لذلك مثلا من سورة النساء جواز التعدد عند العدل بين النساء الآية ( 3 ) ووجوب صداق الزوجة ( 4 ) ومعاملة اليتامى والتصرف بأموالهم بالحكمة ( 6 ) وآية المواريث ( 10 ) وتشريع الزواج بالعفيفات ونظام التسري ( 24 - 25 ) وآية الطهارة ( 43 ) . وتكثر ( الفاءات ) أيضا في سور أخرى مثل المائدة والأنفال والتحريم والفتح ، وعموما فإن الفاءات أخذت مواقعها الكثيرة بدءا من قصة آدم في السورة الأولى بعد الفاتحة إلى آخر السور مثل ( الصافّات 148 ) و ( الأعلى 6 ) ، وأخيرا سورة ( الكوثر 1 ، 2 ) . ومن الآيات الجامعة لثلاث فاءات مترابطة سببية قوله فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( الأعراف 175 ) فهي تعبر عن مراحل سريعة متعاقبة ، فما أهمل المفسد الآيات وتركها حتى لزمه الشيطان فكان من المفسدين الفاسدين . . . وقوله في عملية تنظيم النفير للجهاد والعلم ، حيث إن للعمل العسكري وقته وظرفه ، وللجهاد العلمي أوقاته وظروفه ، ولكل أهله ورجاله فلا ينبغي أن يختلط الأمر ، فينفرد جميعهم للجهاد العسكري ويهملوا الجهاد الآخر ( التوبة 122 ) . . وجماع ذلك كله الوحي القرآني المنزل بالحق الذي يترتب عليه أن يخلص الرسول العبادة للّه وحده ، فبه تتم الدينونة له ( فاعبد اللّه ) ( الزمر 2 ) . . . إن ( الفاء ) هي الأداة الطيعة المؤداة بهذا الحرف الواحد ليظلل كثيرا من الأحوال والتشريعات والمصائر في ظلال المعقولية والسببية والحكمية . اللام - لئلا واللام برشاقة لفظها وخفة كتابتها أوضح في الدلالة على التعليل والحكمة من الفاء ، ولذا فيمكن أن تشترك في جميع الموضوعات والمسائل المطروحة والقابلة للطرح ، وهي بكثرة مداخلاتها وبثها في الآيات والسور تعد من أعظم الروابط السببية والعلية والحكمية وهي نوعان : لام التعليل الفعلية ، ولام التعليل الجارة الاسمية .