نذير حمدان

245

حكمة القرآن والحضارة

64 ) فإنه ينعي على من يحرمها ( المائدة 87 ) باعتبار أنها قرينة الزينة التي أخرجها اللّه لعباده ( الأعراف 32 ) . وما دام التحريم والتحليل الشرعي بيد اللّه فإنه يفصل في الحكم ويشير إلى الحكمة من خلال ما تحمله من مضمون الطيب والخبيث ، ولذا وصف يوم الإسلام العظيم لتحليل الطيبات ( المائدة 5 ) وأعلن أن صفات الرسول ودعوته أنه النبي الأمي المبشّر به في التوراة والإنجيل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الذي يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ( الأعراف 157 ) . ومن خلال كثرة الآيات الواردة في الطيبات وقلتها في الخبائث تشير إلى غلبة الطيبات حتى تعدّ الأصل في التشريع المسكوت عنه ، بينما لا بدّ من التنصيص على الخبيثات على قلتها لنفور الفطرة منها . رابعا : حكم وتعليلات في سورة الفتح : فمن المعروف أن موضوع السورة الوحيد هو صلح الحديبية في العام الهجري السادس الذي سماه اللّه به في أول آية منها ( فَتْحاً مُبِيناً ) . ونبادر بالقول : إن السورة صرّحت بالحكمة منسوبة إلى اللّه مع صفتي العزة والعلم ثلاث مرات وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً مرة ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً مرتين بينما تضمنت آياتها جميعا الحكمة في الأسباب والأحداث والآثار والنتائج فلا تخلو آية أو جملة منها من حكمة ضمنية أرست الطمأنينة والسكينة في قلوب المؤمنين ، مما لا نعهد مثله في أية سورة أخرى بمثل حجمها وموضوعها . ويمكن تقسيم الحكمة في السورة ( المصالحة ) إلى الأقسام التالية مع تداخلها وتشابك بعضها ببعض وهي : حكمة الرسول ، وحكمة المسلمين ، وحكمة الصلة بين الرسول والمسلمين والمنافقين ، وحكمة الآثار والنتائج ، ومع التصريح بحكمة اللّه في الأقسام الثلاثة الأخيرة كما أشرت فإنها ومن خلال ذلك كله تنوه الآيات بالسنن الكونية العديدة والحكم العديدة الخاصة والعامة . - حكمة الرسول : وهي بصراحة التعليل باللام والعطف عليها أربع حكم واضحة في قوله لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فهي من خصوصياته . يقول ابن كثير : وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وهذا تشريف عظيم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو في جميع أموره على الطاعة والبرّ والاستقامة