نذير حمدان
241
حكمة القرآن والحضارة
إن حكما واحدا هو الصوم في آية واحدة أخذ حكما خاصة وعامة وتعليلات بأدوات متعددة لإقناع العقل بأحقّيته وتربية النفس على استيعابه والالتزام به تربية جامعة بين الفكر والعاطفة والعمل . ثانيا : حكم وتعليلات في مسائل عديدة وباسم واحد : وهو غالبا ( مصدر ) تبدو منه الحكمة أو السبب باعتباره ( مفعولا له ) ، ومن ذلك ( التذكّر والذكرى ) ، الذي يرتبط بمسائل إلهية وبشرية في ممارسة الإنسان لحرياته واختياراته لمواجهة الدعوات والعقائد وفي أعقاب التاريخ وأحداثه التي هي خير العبر والتذكير ، وبخاصة في إنشاء الحضارات وهدمها ، وهذا يعني تنبيه الذهن البشري إلى الماضي والحاضر والمستقبل والإفادة من دائرة الزمان والمكان المترامية . إن الارتباطات التذكيرية في صميم الظاهرة القرآنية ومهمات الرسل ودعوة الرسول خاصة ، معالم الطريق الحق الذي اختاره اللّه هداية للناس ، وهذا يعني أن كل حدث لا بد له من مقصد حكيم وعلة تظهر جدية الحياة الدنيا لمواصلة المسيرة الحضارية من غير مثبطات أو معوقات . وفي البداية لا بدّ من تقديم ملاحظة هامة هي أن ( الذكريات ) غالبا ما وقعت أو عبّرت عن الحكمة والتعليل أو عن حكمة التعليل ، بذاتها بوضعها التركيبي الجملي وكما اصطلح عليه النحاة . فالمفعول له أو لأجله أو من أجله يصاغ من المصدر الذي يشعر بالعلّية ، ومن شروطه كونه علة لأنه الباعث على الفعل سواء كان المفعول له منصوبا حين استيفاء شروطه الخمسة أو جرّ بحرف الجر الخاص بالتعليل مثل ( من ) في قوله وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ ( الأنعام 151 ) ، والنهي عن الوهن في ابتغاء القوم ( النساء 104 ) ، وهبوط الحجارة من خشية اللّه ولأجله ( البقرة 74 ) والتعليل واضح في سورة ( قريش ) من مطلعها ، فإن التصريح لِإِيلافِ قُرَيْشٍ في رحلتين أظهرت فضل اللّه عليهم حتى طلب اللّه منهم فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ والمعنى كما ذكر صاحب التصريح « 1 » : إن نعم اللّه لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجل إيلافهم رحلة الشتاء والصيف اللتين
--> ( 1 ) التصريح 1 / 234 وما بعد