نذير حمدان

242

حكمة القرآن والحضارة

كانوا محترمين فيهما لأنهم خدمة بيت اللّه بخلاف غيرهم فإنهم يخاف عليهم من القطاع والمنتهبين . - وفي الرسل عليهم السلام الذين أكثر القرآن من قصصهم ومواقفهم الدعوية وقيادتهم الإنسانية إلى الخير كانوا حملة هذا الحوار والإقناع فكانوا يبشرون وينذرون ويذكّرون ، وإن جميع قصصهم ومواقفهم ( تذكير ) لهم ولمن يأتي بعدهم ، حتى في إهلاك اللّه المعاندين ( الشعراء 209 ) ، وإذا خلّصهم اللّه من النقائص ونقّاهم من العيوب فصرفوا جميع جهودهم في طاعة اللّه والدعوة إليه ، فإن ( ذكرى ) الآخرة والعمل لها تؤكد هذا الخلاص والنقاء ، فهم المصطفون الأخيار ( ص 46 ، 47 ) ، وخصّ ( أيوب ) عليه السلام بالتذكير لأولي الألباب باعتباره قدوة في الصبر الجميل الذي يتوقع منه الفرج ( ص 43 ) . وكان بنو إسرائيل وارثي التوراة التي تذكرهم بنعم اللّه وتهديهم صراطه المستقيم ( غافر 54 ) فنكلوا وجحدوا كما نكل أجدادهم من قوم نوح فجعل اللّه غرقهم بالطوفان تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ( الحاقّة 12 ) . - وفي الرسول محمد عليه الصلاة والسلام تبدو عملية التذكير قطب الإسلام ورحاه ومهمته في الدعوة والتبليغ ، وإن أمر اللّه له بالتذكير الذي ينفع المؤمنين ( الذاريات 55 ) وخصّه في أزمان النفع وحالاته ( الأعلى 9 ) يرتبط أعظم الارتباط بتربية اللّه وتأديبه له أن يحسن لقاء ابن أم مكتوم في أسلوب يجمع بين التهذيب والعتاب ( عبس 4 ) ، وإذا وضع اللّه رسوله في إطار التذكير ووصفه أنه المذكّر وأن الإسلام تذكرة للمؤمنين فإنه أراد أن يصون العقول من طغيان الأهواء وظلم المتجبرين . - ومن أجمل ( الذكريات ) ما ارتبط منها بالأرض التي يعيش عليها الإنسان ويمرّ بها فيتأمل مجاليها ويتذوق جمالياتها . فقد كانت مشاهد الطبيعة الآسرة وبدائع أحداثها خير تذكير وتنبيه للدوافع الجمالية التي تتجلى في إنزال الأمطار ومسالك الينابيع ، وإخراج النبات مختلفا ألوانه نابضا بالحياة ثم يذبل ويصفر وييبس ، ثم يتفتت في دورات متكاملة متلاحقة إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( الزمر 31 ) . وهو خطاب للرسول ( ألم تر ) ولكن آيات ( ق 6 - 8 ) تعاتب الناس جميعا وتحثهم ( أفلم ينظروا ) وتوسع آفاق النظر حتى يشمل بناء السماء