نذير حمدان

240

حكمة القرآن والحضارة

- ومن التعليلات بالفاء قوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فهي ثلاث فاءات تفيد السببية والتعليل ، فإذا كان رمضان شهر القرآن هدى وبينات فلا بدّ من صومه في الفاء الأولى والثانية ، وإذا مرض المسلم أو سافر فله الرخصة في الثالثة . فما قبل الفاءات أسباب وعلل وما بعدها مسبّبات ومعلولات ، وواضح أن علّة الفطر في رمضان بسبب السفر وليس بسبب المشقة ، مثل الإباحة بالفطر بسبب المرض ، كما صرح به العلماء . - ومن التعليلات ( باللام ) قوله وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فهما لا ما التعليل تفيدان السببية والتعليل أيضا كما هو واضح ، فالمفطر رمضان عذرا لا بد له من أن يكمل فيما بعد عدة صومه ، فلا يضيع عليه أجرها ، وهذا من أجل تعظيم اللّه وتكبيره وتقديره حق قدره ، وهو مقصد من مقاصد التشريع عموما ، إذ أن قدر اللّه العظيم يتجلى فيما يتجلى في التشريع العظيم الذي يستوفي حاجات الإنسان الدنيوية والأخروية . - ومن التعليلات الأخرى ب ( على - لعل ) وهي غايات ومقاصد تشريعية عامة نص اللّه عليها في قوله ( عَلى ما هَداكُمْ ) أي بسبب هدايته إياكم ، ومثلها في ( الزمر 56 ) يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أي بسبب ما فرطت وقصّرت في واجبات اللّه ، وكذلك الرجاء المعلل في قوله وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فتشريع الصوم نعمة تستحق الشكر وتؤدي إليه مثل ما تستحق التكبير وتؤدي إليه . - ومن الحكم العامة في التشريع كما أشرت إرادة التيسير والسهولة والسماحة ، فهي غاية تشريعية كبرى وإن وردت عقب مسألة الصوم فإنها القاعدة العامة والمقصد الشامل الذي غيّا اللّه به الإسلام كله فهو ميسر لهم لا عسر فيه ، وأحكامه محكمة بالسماحة التي تطبع حياة المسلم في كل مجالاتها باليسر والتخفيف وليس بالتعقيد والتشديد ، حتى في التشريعات التي تبدو فيها مشقّات مثل الصوم والجهاد والحج فإن فيها من التيسير ما يمكنها أن تستظل بظلها الرحيم الوارف .