نذير حمدان

228

حكمة القرآن والحضارة

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً * إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ( الإسراء 64 ، 65 ) ، أنه ليس هذا إباحة لإبليس وإنما معناه أن ما يكون منك لا يضرّ عباده « 1 » . وأضيف أنه إهانة لإبليس أيضا وإن لوّح بالمغريات وأكثر الوعود وتحقير لقواه وأحابيله أمام قوة المؤمنين وثباتهم ، وإهانة للمستجيبين له الذين يقوون به ويغترون بمغرياته ووعوده . - وفي صيغ التهكم خطابا وإخبارا بالبشائر المعكوسة والاسترواح القاسي والنزل المنفر القبيح يعرض القرآن جملة من البيان الإلهي العجيب ، وغالبا ما يعرض ذلك في صيغة أمر رباني مغاير لمألوف الناس وعادة العربية . فلنتصور هذه الأوامر والإخبارات وقد خرجت عن أساليبها المعتادة لتزيد في العذاب النفسي والمادي وتغلظ القول بالمعنى المضاد وتشفي صدور المؤمنين المستضعفين . - فمن ذلك : ( البشارة ) بالعذاب الأليم في آيات عديدة منها فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( التوبة 34 ) وآكلو الأموال بالباطل والصادّون عن سبيل اللّه والكانزون الذهب والفضة لهم البشرى بالنار وإنها لمفاجأة متهكمة شديدة ، وقريب منها ( النزل ) في ( الواقعة 56 و 93 ) فإن ( النزل ) لغة : هي ما يقدّم للنازل تكرمة له قبل حضور الضيافة . وقريب منها ( ظلال ) الحميم ( الواقعة 43 ) لأن الظل من شأنه الاسترواح واللطافة ، فنفى هنا ، وذلك أنهم لا يستأهلون الظل الكريم « 1 » . - ولا يقتصر على التهكم بهم والسخرية منهم بالخطاب أو الإخبار وإنما ينكر عليهم مواقفهم ويندد بهم في أسلوب الاستفهام الإنكاري . مثل قوله وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ( سبأ 17 ) فجزاء اللّه واقع بالمعاندين لا محالة . - وتبلغ السخرية أقصاها حين يقول اللّه هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( المطففين 36 ) فإذا به ( ثواب ) كريه مؤلم يسيء صاحبه بإيحاءته المعبرة أكثر مما يناله من العذاب

--> ( 1 ) البرهان في علوم القرآن 2 / 231 - 233 .