نذير حمدان

229

حكمة القرآن والحضارة

المهين الشديد ، وهي صورة ساخرة للذين كانوا في الدنيا يضحكون من المؤمنين ويتغامزون بهم . قضايا ومراجع وأطر ساخرة : وإذا تتبعنا المسلك القرآني في التلميح عن حكمة الحياة والأحياء ، وحكمة الأعمال والمصائر ، وحكمة المواقف والعواقب وأخيرا حكمة الحكمة فإننا نجد رصيدا كبيرا في التلوين الخطابي لمراعاة مقتضى أحوال الناس قاطبة ومنهم المكذبون والجاحدون وهم شريحة خطيرة في المجتمع تتطلب معالجات متنوعة حكيمة ، ومنها : الحواس المعطلة والمنحرفة موضوع للسخرية : - إن تقدير القرآن للعقل والتفكير لا يعدله شيء سوى تقديره لمنافذهما ووسائلهما التي أخذت تفصيلاتها حيزا كبيرا منه ، فهي من أغزر المواد القرآنية وبخاصة الوجوه والرؤوس أشكالا وأنواعا من حيث أن فطرتها نعمة بل ونعم لا يجوز تعطيلها ولا انحراف صاحبها بها . ولخطورة مسئوليتها جعلها الشاهدة على صاحبها يوم القيامة ( النور 24 ) ولذا فقد استحق المعطلون سخرية القرآن لأنهم حرموا من حكمة خلقها ومنافع استخداماتها ، والسخرية اللافتة للنظر هي وجود هذه الحواس وعدم وجودها معا فهي موجودة خلقة ومهيأة للخير وظيفة ولكنها معدومة الفعالية بحيث تقرّبها من العدمية . فاليد الباطشة والرجل الماشية والعين العمياء والأذن الصماء والصوت الناعق تقرّب أصحابها من البهائم فإذا بها تصوت من غير إدراك وتحس من غير تفكير ( البقرة 171 ) ، هكذا في صورة عجماوية خرساء صماء تثير الضحك والسخرية إلى جانب ما تنبه فيه إلى انحطاط صاحبها إلى دركات البهيمية . وإن شبه هذه القدرات بالحواس الحيوانية مثير في النداء والخطاب والعلاقات لمزيج من التبكيت والإسفاف والحيوانية حتى أضحوا كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( المدثر 51 ، 52 ) وأشبهوا بالكلاب إن تحمل عليها تلهث أو تتركها تلهث ( الأعراف 176 ) وإذ إن السخرية قلب الإنسان إلى حيوان من جهة التغيير الوظيفي للقدرات الإنسانية فإنها أيضا الإعجاب الحسي بجماليته الحيوية أبهى من الإعجاب المادي