نذير حمدان

225

حكمة القرآن والحضارة

وتدريس علوم الدين . قالوا : وساعدته على ذلك بديهة حاضرة وكياسة نادرة ونكتة مستعذبة ودعابة محببة « 1 » . السخرية المعاندة بدلا من الحجة والبرهان : - فقد سخر فرعون ومن قبله بالأنبياء وأتباعهم واستضعفوا قواهم حتى كانت السخرية منهم عاملا قويا في إضعاف الأتباع وتأليب مرضى القلوب عن دينهم ، فيعمد الساخر أن يهزأ بالأفكار الجديدة والتصورات غير المألوفة مثل ما يبرر للطغاة في المال والعشيرة احتواء هذه الأفكار والتصورات لئلا تنتشر بين الأتباع وذلك بإضعاف العزائم وتوهين القوى للنضال من أجل الحق وإساءة الفضائل ، فكثيرا ما كان المعاندون يسخرون من أنبيائهم بأخذ جوانب الضعف في حياتهم إن كان لها وجود . والسخرية في مواجهة الحقائق عبث طفولي لا يليق بالمعالجات الفكرية الجادة ، وباستنفاد الوسائل المجدية يتقدم الساخرون بالأساليب المجدبة التي تحاول تحطيم مسيرة التقدم الفكري والخلقي . فمنذ عهد نوح تقابل النبوات بالسخريات من شخص النبي ومما يقدم عليه من وسائل وأعمال ، وعندئذ لا بد من أن تردّ السخرية بمثلها وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( هود 38 ) ويلاحظ هنا ومع تكرار السخرية ثلاث مرات أن سخرية المؤمنين هي ردة فعل وليست فعلا منشأ ، كما يلاحظ سفاهة الكفار وجهلهم بعواقب الأمور وتعويض ذلك بضحكات لا تثني المؤمنين عن تصميمهم ، حتى وإن تكررت السخريات من قوم بعينهم أو من غيرهم فإن هذا لا يوهن من العزائم شيئا . والضعف النفسي الذي يظهر من سلوكيات طفلية لا يقتصر على قوم نوح وإنما يشمل الكافرين في مواقفهم الفكرية والعقائدية ، فبدلا من أن تقدم حجة ويدحض برهان فإن الوهن النفسي يستعيض عن ذلك بأشياء لا تقدم ولا تؤخر باستثناء شيء واحد وهو إعجابهم بما هم عليه من زينة المال وعظمة الجاه والتزين الخادع العام زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا

--> ( 1 ) من مقال د / كامل الكيلاني . الرسالة ( 684 ) للعام 1946 .