نذير حمدان
226
حكمة القرآن والحضارة
الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( البقرة 212 ) ، وقد وجّه القرآن المسلمين إلى بطلان هذه القاعدة النفسية وطلب منهم الإعراض عن هذه الترهات والاستجابة لنداء الواجب وبذل المال مهما كان قليلا فلا يعبئوا بلمز الكفار ولا بسخريتهم ، وحين يعلن القرآن أن اللّه يسخر منهم فيضع من شأنهم ويذلّ عزّتهم ويضعف شأنهم لرفع شأن المؤمنين وإعزازهم وإعلاء دعوتهم فإن ( حكمة ) السخرية الإلهية تتجلى في تأييد المؤمنين الفقراء والأغنياء خاصة الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( التوبة 79 ) ، وهي سخرية تتجاوز الأموال إلى مظاهر الرفاه والزينة عموما والمتغلغلة في الحياة الدنيا التي يعطيها اللّه للناس بغير حساب ( البقرة 212 ) . ويتطاول إفك اليهود على اللّه فيطرحون عليه أقبح صفاتهم وهي أشنع صورة يمكن أن تصوّر وتقال ( المائدة 64 ) فاللّه الذي أعطاهم الكثير هو بنظرهم وإقذاعهم المتطاول بخيل مغلول اليدين ، ولكن سوف لا يغنيهم ما لهم الكثير الذي سيطوقون به يوم القيامة في أقوى صورة منفرة مقابل الصورة اليهودية الآثمة ، ( آل عمران 180 ) و ( النساء 37 ) ، وبذلك يبررون تهرّبهم من الوفاء بالتزاماتهم المالية الناشئة عن معاهدتهم مع الرسول عليه الصلاة والسلام . وكذلك بادعاء إفكهم عن اللّه أنه فقير فاللّه يسمعهم ويعاقبهم عليه ( آل عمران 181 ) . وهو سوء أدب مع الرسول الذين كانوا يتحاورون معه ، وسوء أدب مع اللّه خالقهم ورازقهم ، وكذب في تعليلاتهم وتبريراتهم ، ومواساة للمؤمنين الصابرين المقلّين . وهي إذ تعبّر عن ضعف الحجة وفقدان البرهان فإن قدمها ينبئ عن تمسك الإنسان القديم بها . وذلك حين يعوزه المنطق وتضيع منه الحقيقة ، وينسحب هذا على كل من أغلق عقله وأوهن حجته فانحرف عن الهداية إلى مجرد الهزء والاحتقار ( الأنعام 10 ) ، ومن أحقر سخريات المعاندين سطحية تفكيرهم في كيفية خلقهم وتطور نشأتهم وحياتهم . إنهم يردون ذلك بالسخرية مع أن المسألة جدّ معجبة ، وإن توالي تذكيرهم بالأنعم الأخرى يدعهم يستمرون في العناد ويبالغون بالسخرية بدلا من أن يتفكروا ويعتبروا ، وفي الأصل فإن أية قضية معجبة تتطلب نشاطا ذهنيا وعزما ماضيا ، فإذا قوبلت بالهزء فإن المفارقة