نذير حمدان

224

حكمة القرآن والحضارة

فهو جحا المعروف بظرفه وأرومته العربية وأستاذيته لعدد من شيوخ المحدثين غير أن الناس تزيّدوا عليه ووضعوا عليه روايات وأخبارا ملفقة ونسبوا إليه ما كان وما لم يكن مما لا يليق به شيخا عاقلا محدثا . الثاني : الأستاذ نصر الدين التركي الأناضولي ظهر تقريبا في أوائل القرن السابع الهجري في عهد السلطان أورخان وامتدت حياته إلى عصر السلطان ( يليديرم بايزيد ) أي ( الصاعقة يزيد ) . وعاش 60 عاما أو يزيد إلى أن توفي 683 . وصحب تيمور لنك الطاغية كما تدل بعض الروايات ، وكان فيما يقول مؤرخوه ، أمة وحده : كان يتمثله بعض مؤرخي الأتراك فيلسوفا حكيما ، يمزج الفكاهة بالجد ، ويعرف كيف يخاطب الناس على قدر عقولهم ، وكان آية من آيات الذكاء وخفة الروح . وكثيرا ما تخللت نصائحه طرائف عالية من الدعابات الحلوة والنكات المستعذبة واللطائف المستملحة ، ولكن لم يكن كما تخيله ( العامة ) مهرجا ولا متبذلا ولا أبله ولا مخيولا ولا . . . كما توهموه ، عاجزا عن التفريق بين الخير والشر . وكيف يكون ذلك وقد شهد علماء الأناضول أنه كان لهم في العلم إماما يقتدى به ، وعالما ثبتا ، وقطبا من أقطاب الحكمة والفلسفة . . . وكان يحلو له السياحة والتجوال مشيا على قدميه ، ولم يعرف عنه ميل إلى التزلف ، ولا نزوع إلى الخبث ، ولم تؤثر دعابته ونكاته في مكانته الرفيعة بين معاصريه ، ولم تقلل من احترام الأهلين له ومحبتهم إياه وهذا ينطبق على أبي الغصين أيضا ولكن تاريخ جحا التركي الحربي والسياسي - فيما يقولون - حافل بجلائل الأعمال ، وقد ختم بسفارة رسمية سياسية في بلاد الكرد ( كردستان ) فنجح فيها أيما نجاح . وتدل أخباره أنه لقي من ضروب الامتحان وتعرض لأزمات كثيرة لقيها بثبات وثقة خليقين بأمثاله من كبار النفوس . . . وقد ولي القضاء في آق‌شهر ( البلد الأبيض ) وملحقاتها ، وكان يخطب في ( سيوري حصار ) وقد عرف عنه أنه كان جريئا لا يتهيب أن يدعو الأمراء والولاة والحكام إلى طاعة اللّه والتمسك بأهداب الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . . وأقرأ ابن السلطان كتاب ( الهداية ) ووقفه على دقائقه وجلا له غوامضه . ولن يؤخذ هذا الرجل الصالح بما فرط منه من زلات في جلّ نشاطه ومستهل فتوته ، فقد أقلع عنها وتم له التنسك بعد اكتمال عقله ورجولته ، وقد ختم حياته بالوعظ