نذير حمدان

223

حكمة القرآن والحضارة

وإن استفزاز الأديب الفكاهي الساخر قد يثير الضحك والإضحاك وذلك بما يقرّع به ذهن مخاطبه بالتنبيه إلى البديهيات . ومن طرائف ( جحا ) نصر الدين التركي أنه سمع فقيها يتلو الآية هكذا ( فخرّ عليهم السقف من تحتهم ) فانتفض جحا غاضبا ، وصرخ فيه متعجبا : إذا فاتك النص يا هذا فلا يفوتنك الذوق ، كيف استقام في ذهنك أن يسقط عليهم السقف من تحت ؟ قل : من فوقهم ، لا أبا لك « 1 » . واشتهر عن فيلسوف السخرية الإنكليزي المعاصر ( برناردشو ) مثل هذه الإجابات المفحمة في أسلوب السخرية المتفلسفة تتجاوز الاعتبارات المالية والاجتماعية . قال برناردشو لبعض اللوردات وقد قال له : إنك تبغي المال من رواياتك ، قال برناردشو : وما ذا تبتغي أنت من أعمالك ؟ قال : الشرف ، قال : كل منا يسعى في طلب ما ينقصه . وقد تكون السخرية من نفس الإنسان لنفسه بالصورة التي لا تخلو من مبالغة مقبولة ضاحكة ، فقد قال الشاعر : وصرت أنسى الطّرس في راحتي * وصرت أنسى أنّني أنسى وإذا كان في السخرية فن وأدب وحكمة فلا بد أن يكون أهلها من الحكماء والأدباء والظرفاء وأحيانا من القضاة ، ولا بد أن ينطقوا بالحكمة الساخرة والجادة وإن غلب على بعضهم الأولى . ومن أشهرهم في فن الظرف والحكمة ( الجحوان ) . الأول : دجين بن ثابت اليربوعي البصري ، رأى أنسا وروى عن أسلم ، وروى عنه عدد منهم ابن المبارك ووكيع وعبد الصمد ، كان فتى ظريفا ، وكان له جيران مخنثون يمازحونه ويزيدون عليه ، قال عباد بن صهيب : حدثنا أبو الغصن جحا - وما رأيت أعقل منه . وقال كاتبه : لعله كان يمزح أيام الشبيبة ، فلما شاخ أقبل على شأنه وأخذ عنه المحدثون « 2 » .

--> ( 1 ) من مقال د / الكيلاني في الرسالة سابقا . ( 2 ) سير أعلام النبلاء 1 / 154 تحقيقي ، ومن مصادره : أخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي من ص 25 ، وحياة الحيوان للدميري 1 / 273 والمعاجم اللغوية في مادتي : دجن ، جحا .