نذير حمدان
222
حكمة القرآن والحضارة
وعلوه ألفا فرسخ ، وكل باب من أبواب بيوته ومقاصيره عشرة فراسخ في مثلها . فالتفت بشار إلى قائده فقال : بئست واللّه الدار هذه في كانون الثاني . وقد تكون السخرية من شكر في غير موضعه ، فقد مرّ بشار برجل قد رمحته ( رفسته ) بغلة وهو يقول : الحمد للّه شكرا ، فقال له : استزده يزدك « 1 » . وبمناسة ( الأضرّاء ) ذوي البصائر فقد ذكر أن ( أبا العيناء ) الفكاهي الساخر من ظرفاء العصر العباسي ( 283 ه ) ، قد بلغه أن المتوكل قال : لولا أنه ضرير لنادمناه ، فلما بلغه ذلك قال : إن أعفاني من رؤية الأهلّة ونقش الفصوص صلحت للمنادمة ، وكان هذا باعثا على إرسال المتوكل في طلبه ، وصدق اللّه العظيم : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( الحج 46 ) ، وكان يتطاول على بعض الوزراء مثل أحمد بن الخصيب الذي ألف في ذمه كتابا حكى فيه : أن جماعة من الفضلاء اجتمعوا في مجلس وكل منهم يكره ابن الخصيب لما فيه من الفرامة ( عي اللسان وغباوة الفهم ) والجهالة والتغفل فتجاذبوا أطراف الملح في ذمه . . . حتى قال أبو العيناء آخرهم : كان ابن الخصيب إذا ناظر شغب ، وربما رفس من ناظره إذا عجز عن الجواب ، وخفي على الصواب ، واستولت عليه البلادة ، وعري كلامه عن الإفادة ، وكان إذا دنوت منه غرّك ، وإن بعدت عنه ضرّك ، فحياته لا تنفع ، وموته لا يضر « 2 » . ونقل الأصبهاني عن ( السيد ) الحميري إسماعيل الشاعر المشهور أن رجلا متسلطا مستغلا مذهبيا منحرفا جاءه فقال : بلغني أنك تقول بالرجعة ، فقال : صدق الذي أخبرك ، وهذا ديني ، قال : أفتعطيني دينارا بمائة دينار إلى الرجعة ؟ قال السيد : نعم وأكثر من ذلك إن وثقت لي بأنك ترجع إنسانا ، قال : وأي شيء أرجع ؟ قال : أخشى أن ترجع كلبا أو خنزيرا فيذهب مالي . فأفحمه « 3 » .
--> ( 1 ) الأغاني ج 3 عند ترجمته وانظر أخبارا أخرى . ( 2 ) نقله د / صبحي الصالح في الرسالة ( 772 ) للعام 1948 م عن معجم الأدباء وتاريخ بغداد . ( 3 ) الأغاني ج 7 عند ترجمته .