نذير حمدان

22

حكمة القرآن والحضارة

أهلها إلى دائرة الفلسفة الغربية بمسائلها الكونية والإنسانية وذلك باستخدام منهج البحث المعتمد على القياس والتمثيل والتحليل والتركيب والاستدلال والاستنتاج والحدود والقضايا المنطقية ، حتى أضحت الحكمة علم الفلسفة بالتنظير والتشبيه . وهنا تبرز القيمة الكبرى في تفرّد حكمة القرآن من حيث المنطلق والمضمون والمنهج التي اختص بها : صفاء في العقيدة ووحدة للألوهية ، وقضايا وجودية متميزة للإلهيات والإنسانيات والحياة والموت والمصير في طريقة ( جامعة ) للبرهنة العقلية الممتزجة بحرارة العاطفة والمشاعر مما سنفصل فيه . ومن ذلك أيضا تأثر الفلسفة المعاصرة بالفلسفة القديمة ، حيث امتزجت الفلسفة والحكمة في الدراسات الحديثة مع استقلال الفلسفة عن سائر العلوم والمعارف ، وهكذا فإنها ( الفلسفة ) اليوم تبدو على الأقل فيما يخصّ المشكلات الكبرى ، أقرب إلى فكر اليونان وفلاسفة العصر المدرسي الوسيط منها إلى فكر مائة عام مضت في الحضارة الأوربية في مذاهب ومدارس كثيرة ومختلفة النزعات والمقاييس والمناهج ( أي عام 1850 انتصار النزعة العلمية والمذهب المادي والتوجيه الميكانيكي ) . وهكذا فإن أفلاطون يعود إلى الحياة مع ( دايتهد ) الإنكليزي أحد زعماء فلسفة الميتافيزيقا ، وأرسطو مع ( دريش ) و ( هارتمان ) وأفلوطين مع بعض الفلاسفة الوجوديين ، والقديس ( توما الأكويني ) ( ت 1247 م ) مع المدرسة الجديدة التي تحمل اسمه ، والفلسفة المدرسية المتأخرة ( في القرن 14 و 15 ميلادي ) مع الفيزلوجيا - الماهية والحياة ) ، و ( ليبتنز ) ( ت 1716 ) المنطقي الوضعي ، مع ( رسل ) ( ت 1916 ) أستاذ الفلسفة الرياضية والنحو الفلسفي . . حتى إن الأهمية النسبية للمذاهب الآن تأتي في المحل الأول بالاتّجاه الأفلوطوني والأرسطي فيما يعرف بالميتافيزيقا والوجودية ، ثم تليهما وإن يكن بشكل غير مباشر عن طريق التأثير على مدارس أخرى فلسفة الحياة والفينومينولوجيا ، وفي المحل الأخير ، وبعيدا تأتي ( فلسفة المادة ) ، أما المثالية فإنها تحتل أبعد الصفوف « 1 » .

--> ( 1 ) المذاهب الفلسفية 67 ، 71 بتصرف طفيف .