نذير حمدان
23
حكمة القرآن والحضارة
الحكمة هي الاسم الأقدم للفلسفة : ففي البدايات كان يطلق على الفلسفة اسم هو الحكمة ( صوفيا ، باليوناني ) . وتلك الفلسفة [ الحكمة ] كانت تعني أيضا العلم بل العلوم مجتمعة في وحدة ، وغير متميزة « 1 » . ومن قبل تقدمت الحكمة البابلية والسورية والمصرية والصينية والهندية على الفلسفة اليونانية ، بقرون ، وكان لهذه الأقدمية تأثير على الفكر الفلسفي اليوناني فيما بعد حتى تفجّرت الروح الشرقية عند أفلاطون الأصل السامي لمعظم الفلاسفة الرواقيين ، والجو الديني الخاص الذي نمت فيه الأفلاطونية المحدثة ، وغزو المذهب المانوي والثنائية الزرادشتية من قبله للعهود الأولى من الفكر الغربي ( ومن ثم يكون من السذاجة الظنّ بأن كل هذا مرجعه إلى تقدم العبقرية الإغريقية تقدما منطقيا حتميا ) « 2 » . وكانت الحكمة البابلية وقبلها السومرية منذ أكثر من أربعة آلاف سنة وقبلها في الحضارات الأقدم حتى ما كان منها من أصل ديني أو وضعي خرافي في العصور البدائية والحضارية هي مواقف فلسفية أو حكمية باعتبار أن الإنسان له تطلعاته وتصوّراته الحقّة أو الباطلة . فالمقصود بكلمة الحكمة في الأدب البابلي ( نيميقي ) بوجه عام هو البراعة في طقوس السحر والعبادة ، والحكيم هو الخبير بالمعارف والشعائر المتصلة بهما ، . . . . ويمكن أن تتسع معانيها من خلال النصوص البابلية لمعان أخلاقية وتأملات كونية ومشكلات عقلية تنطوي عليها رؤية الإنسان في حضارة وادي الرافدين للوجود والإنسان والمجتمع ، وللخير والشّر والعدل والمصير « 3 » . وإذا كانت الحكمة في العربية من أصل مادّي كسائر المصطلحات المعنويّة ( المجازية ) من ( حكمة ) الدّابة وذات أصل لغوي عربي واحد كما تقدّم عن ابن فارس في ( المقاييس ) فإن فضل القرآن اللغوي والمعنوي هو نقلها من الماديات إلى الفكريات والمعنويات ، ووظّفها الحديث النبوي بالوظيفتين نفسهما ، فهي من مصطلحات القرآن الغزيرة التي تشعّبت إلى
--> ( 1 ) علي زيور السابق . ( 2 ) جذور الاستبداد 29 نقلا من : الفلسفة الشرقية : مارسل . ( 3 ) السابق 133 .