نذير حمدان

215

حكمة القرآن والحضارة

طرفه الظلام وهكذا . . . ولا يقال : هذه المسألة لا هي حق ولا هي باطل فهي بين بين ، وهذا الأمر لا هو خير ولا هو شرّ فهو بين بين ، ومثله الجمال والنور . . . كما لا يقال هنا : إن المسألة لا يتضح فيها حق صريح ولا باطل صريح ، ولا خير خالص وشر محقق بمعنى أنه منزلة بين المنزلتين أو بالتعبير النبوي ( وبينهما شبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس ) ، لأن هذه المنزلة لا تعدو أن تكون - بعد التحقق - حقا أو باطلا وكذلك الشبهة فإنها بعد التمحيص والبحث والاجتهاد تؤول إلى حق أو باطل . . وكذلك فليس لهذه المسألة علاقة بتعدد الحق الذي قد يعرف في كثير من المسائل العملية والنظرية . - وفي القضايا النظرية الكلية لا توسط فيها ، أيضا ، فتعلّق الممكن نظريا في مجاله حكمة الممكن ، وتعلق الواجب بالواجبات حكمة الواجب ، وتعلق المستحيل حكمة المستحيل ، وهذه الممكنات والواجبات والمستحيلات ليس لها أطراف تقابلها وبالتالي ليس بينها أطراف تتوسطها ، فهي خارجة عن ( الأمور ) الثلاثية الأطراف التي صرح بها الحديث وقس على ذلك ( اللانهائية ) و ( الأزلية ) و ( المثلية ) و ( الأبدية ) و ( المطلقة ) وفي مقدمتها صفات الخالق الواجبة فليس لكل منها أطراف متقابلات ، وصفات المخلوق حكمة في حقه ، وصفات الخالق حكمة في حقه ، فلا توسط في الثانية كما لا عبثية في الأولى ولا تدخل ضمن ( الأمور ) التي صرح بها الحديث . - وبالتدقيق في نص الحديث وبخاصة في اسم التفضيل ( خير ) فإذا كان على بابه أي مفيدا التفاضل والتفاوت فإن الفضل والخيرية في التوسط والأطراف معا إذ هو قدر مشترك بينها وإنما يفضل الوسط لأنه خيرها وأفضلها . . ولكن أي خير في الامساك والإسراف أمام وسطية الجود ؟ وأي فضيلة في التهور والجبن أمام الشجاعة ؟ وإذا فلا يصح التفاضل هنا بين الثلاثة ، واسم التفضيل على غير بابه فإنه يفيد مجرد ثبوت الخير للوسطية والفضل لها . والنسبية هنا خاطئة ومرفوضة فلا يكون التهور مثلا عند قوم خيرا وعند قوم شرا ، ومثله الجبن والظلم والأنانية وعلى العكس : فلا يصح أن تكون الشجاعة حميدة عند جماعة . . . ولا تصح قيمة فاضلة عند أخرى . وفي جميع الأحوال والقيم ليس في طرفي التوسط حكمة ولا خير ، وأن القيم المطلقة هي خير أبدا وعند جميع الناس سوى بعض المتفلسفين المنحرفين ،