نذير حمدان

216

حكمة القرآن والحضارة

إذ أي حكمة وخير في التهور والجبن والظلم والجشع والأنانية والانعزالية ؟ وكيف ترقى البطالة والقباحة والشر والباطل إلى مستويات الفضل والحق والخير والجمال والعمل ؟ إن وزن هذه القيم بموازين النظريات الفلسفية المتطورة الآحادية الطرف لا يمكن أن تكسو مقاييسها بالمصداقية الخلقية ولا بالنصاعة النظرية الفكرية ، ولا بالخيرية الحقّة ، فهي مطلقة من الطرفية مبرأة من النسبية كما هو معاين في الواقع ، ومعروف في تاريخ الديانات والمثل الكريمة ، فالقيم المطلقة فضائل في المقاييس الفكرية والموازين العقلية لدى الجميع . الوسطية والشهادة : إن اقتران الوسطية بالشهادة في آية واحدة كما أشرت ، واقتراب آيتي الوسطية والشهادة من آية الحكمة في نجم واحد ووصلهما معا بأداة الصلة ( الكاف ) ( كَما أَرْسَلْنا . . . ) يؤكد على تلازم القيم الثلاثة : الوسطية والشهادة والحكمة في رحاب ( الخير ) الذي يحيط بجماعة المسلمين . والشهادة هنا شهادتان : شهادة الأمة الإسلامية المقدمة ، وشهادة الرسول على أمته التي هي متقدمة أيضا على الحكمة في البيان القرآني والأعراف الاجتماعية ، وتزيد المسألة وضوحا بما سبق من معاني الوسطية والعدل والخيارية والفضل والاعتدال والتوسط بين الأطراف المتباعدة فإنها تدخل في شمولية الحكمة ودلالالتها القيمية بالإضافة إلى منهجية الوسطية في الاعتدال الذي يعني الحكمة بذاتها باعتبارها موقفا حكيما متحررا من التطرف والمغالاة والتعنت . وإذا علمنا أن ( الاقتران ) صيغ بأسلوب السببية والتعليل بأداته ( اللام ) ( لِتَكُونُوا شُهَداءَ ) ( البقرة 193 ) فإن المسلمين بهذا الاقتران والاقتراب والإطارية يستحقون أن يكونوا رواد العالم في شمولية الأعمال والأفكار معا ، وأنهم بهذه الشهادة خاصة مؤهلون لشهادة الحق والبصيرة والقيادة والمسؤولية ، وهي خلال في الشهادة لا تليق إلا بأمة الوسط . فالمسلمون يحملون الحق الناصع من خلال الحقيقة الإلهية والكونية والشرعية والأدبية العامة وهو حق رباني إنساني مبرأ من التزييف والانحيازية والتبعية فهم أحق بالشهادة . وهم إذ يدركون قيمة هذا الحق وأهميته في الحضارة فإنهم الأقدر على معرفته وبيانه وترسيخه والحكم به وعليه . والمسلمون يتعاملون مع الكونية على أسس هذا الحق الذي يقول